سجل إعجابك بصفحتنا على الفيس بوك لتصلك جميع مقالاتنا

بحث فى الموضوعات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مروان محمد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مروان محمد. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 سبتمبر 2014

رواية (ذكريات ما قبل الموت): الحلقة الثانية 19 ديسمبر 2010 بقلم/ مروان محمد

- أنا خايفة قوى يا حسام.

- متخافيش, أهدى بس و قوليلى إيه الأخبار عندكم.

- بيطلعوا الناس من بيوتها, أنا مرعوبة و ماما قعدة بتعيط و بابا قاعد جنب الباب و ماسك مكنسة المطبخ فى أيده.

- أنت شوفتى حاجة بنفسك.

- لأ.

- يبقى أطمنى.

- بيسرقوا الشقق عندنا فى المهندسين يا حسام, أنا خايفة.

صوتها المرتعد يجعلنى أفقد التركيز, أسمع أزيز الرصاص بين الأشجار و أحيانا انحنى لرصاصات لا أعلم من أين تنطلق و لا إلى أين تذهب؟, أمسك بعصى حديدية بيمينى و الموبايل بيسارى, لا أعلم ماذا عساها أن تفعل تلك العصى سوى أن تبث إلى بعض الطمأنينة الزائفة.

****

19 ديسمبر 2010


“أنا بحلم

أمال ليه مصدق أنه حقيقى

عايز أفوق من الحلم التقيل ده

أنا تـ...."

منبه الموبايل يرن, استيقظ, اعتدل فى فراشى و قدماى تبحث عن الشبشب, أنهض فى تثاقل و شعور شديد بالخمول, اتوجه إلى الحمام, الماء البارد الذى يضرب وجهى يسرب منى بعض الشعور بالكسل و الخمول, نفس الروتين الذى أمارسه كل يوم, اتجه إلى صالة البيت و اشغل التليفزيون, دائما ما تكون القناة الاخبارية هى القناة الوحيدة التى أطالعها كل صباح قبل أن أذهب إلى العمل.

"شهود عيان لرويترز أن مئات من قوات الشرطة وصلت إلى مدينة سيدي بوزيد اليوم لتعزيز الإجراءات الأمنية وذكر «الحزب الديمقراطي التقدمي» الذي يوصف بأنه أبرز حزب معارض في البلاد في بيان أصدره مكتب الحزب في سيدي بوزيد أن ما وصفه «الظلم والقهر الذي تعرض له الشاب سبب حالة من الغليان في الشارع الرئيسي للمدينة»، وطالب السلطات بـ«التحقيق مع المتسببين في هذه المأساة ومن بينهم محافظ سيدي بوزيد"

تنتقل الكاميرا إلى وجه المذيع الذى فرد إبتسامة واسعة على شفتيه و هو يقول:

- و الأن نستكمل الملف التونسى مع الجولة الاقتصادية و الزميل محمد هاشم.

التقط حذائى, أبدأ فى تلميعه و مذيع النشرة الاقتصادية يقول فى آلية:

تعتزم مجموعة "جلوبال وود هولدينج" السويسرية تنفيذ مشروع استثماري في تونس رصدت له إستثمارات بقيمة 900 مليون يورو وقال ألدو بونالدي نائب رئيس مجموعة "غلوبال وود هولدينج"، خلال مؤتمر صحافي عقده بمشاركة فؤاد دعفوس وزير أملاك الدولة التونسي، إن المشروع الذي ستنفذه مجموعته يتعلق بإنتاج الخشب المخصص للتصدير وأوضح أن هذا المشروع سيُنفذ في محافظة "تطاوين" الواقعة على بعد نحو 550 كيلومترا جنوب تونس العاصمة، وهو يشمل غراسة شجرة "الكالتوس"



" و بالانتقال إلى الشأن المصرى أعلن وزير المالية المصري يوسف بطرس غالي عن إصدار أول موازنة للمواطن في مصر وذلك في مبادرة من الحكومة لرفع مشاركة المجتمع في ترتيب أولويات الإنفاق العام سواء على مستوى الدولة في جميع محافظات مصر"



أضحك بصمت, أغلق التليفزيون مغادرا الشقة, الصباح يبدو رتيبا مثل كل الصباحات التى عهدتها من قبل, أقطع الشارع الطويل فى خطوات سريعة حتى الطريق الرئيسى و الباص يقترب بسرعة من ناصية الشارع, أصعد درجتيه, ألقى السلام على الراكبين متخذا مقعدى و أسند رأسى إلى ظهر مقعدى و أسلم جسدى كله الى غفلة أحاول أن أسرق فيها بضعة دقائق .


******

- شكلك نايم على الصبح.

التفت خلفى لأجد بسمة قد غادرت للتو الباص , انتظرها حتى تحاذينى فى المشى, متجهين مع مجموعة من المدرسين إلى المبنى الإدارى للمدرسة.

- أنت عاملة إيه؟

- مالك على الصبح.

- أصلى لسه سامع أن بطرس غالى ناوى يدندشنا و ينعشنا.

- و الله ما حد خارب الاقتصاد غيره.

أضحك بلا رغبة حقيقية فى الضحك, أقف أمام صندوق البريد الخاص بى و التقط الكارت لأمرره فى جهاز تسجيل الدخول و باقى المدرسين يتناولون كروتهم ليفعلوا المثل, نغادر سويا غرفة تسجيل الدخول باتجاه فصولنا و هى تقول:

- عندك إيه النهاردة؟

- عندى grade 11.

- الله يعينك, أنا مش عارفة أنتوا بتعملوا إيه مع العيال دى.

- أهى بتعدى.

- السى ديهات النهاردة متنساش.

- ماشى.

تنفصل عنى و هى ترتقى سلم على يميننا فى رشاقة, ابتسم و أنا أراقبها تختفى ثم أطلق نفخة قوية و أواصل المسير.

******

- أحنا رايحين النهاردة أنا و بسنت و رامى و فريد و سوسن سيتى ستار, ما تيجى معانا.

- و الله مينفعش يا بسمة, عندى شغل كتير أعمله فى البيت عشان الحفلة بتاعت بكره.

- هى كلها ساعتين.

- مهو ساعتين هناك و ساعة عقبال ما نبتدى نتحرك و نص ساعة عقبال ما أوصل للبيت, يبقى اليوم مات و أنا ورايا شغل متلتل.

يتسلل الصمت بيننا و هى تومىء برأسها و قدمها اليمنى تدحرج حجر صغير من على الرصيف, ثم رفعت رأسها كأنها تذكرت سؤال آخر لتسألنى:

- أنت مسافر الإسكندرية الأسبوع ده.

- أيوه.

- تعرف أنا نفسى أعيش فى الإسكندرية جنب البحر.

- لو اتجوزتينى فيه أمل أنك تعيشى هناك.

نضحك و لا تجيب, لم أكن انتظر أجابتها, لأن الإجابة بنعم فى تلك المواقف حتى لو كانت من باب الهذل فأنها تعنى الشروع فى ارتباط رسمى, مما يعنى تحمل مسئولية لست مستعداً لها الأن و لا أجدد مبرر لعدم رغبتى فى تحمل المسئولية, لا أستطيع أن أدعى أنى أقرأ فى عينيها رسالة تمنى أو حث على أن أقولها بشكل جادى, كأنها تقرأ فى عينى أنا الآخر, الهروب من تلك الإجابة.

الباص الخاص بها يتوقف على مقربة منا, تصعد درجتيه و من ثم تلتفت إلى قائلة فى حماس طفولى:

- لو غيرت رأيك أحنا قاعدين فى سيتى ستار لحد سابعة و نص.

- ماشى.

- سلام.

- سلام.

يتحرك الباص و اتابعها للحظات حتى يلفت انتباهى اقتراب الباص الخاص بى, أصعد الدرجتين و ألقى السلام على الجميع, يبادرنى عمر أبيض البشرة و جسده الممشوق و شعره البنى الغامق الذى يلمع دائما و هو يقول:

- مش قبضوا على شبكة تجسس, الخبر جابته الجزيرة.

- تجسس إيه المرة دى؟

- مصريين بيتجسسوا لصالح الموساد و الحكومة مأكدتش الخبر و لا نفته حتى و المفاجأة بقى يا معلم أن أغلبهم كان شغال فى شركة من شركات الاتصال بس مذكروش أنهو شركة و نيابة أمن الدولة بتحقق معاهم و تبين بقى أنهم كانوا بيتجسسوا على مكالمات دولية لمسئولين كبار فى البلد و جابوا أجهزة من أمريكا عشان يعرفوا يتجسسوا.

- و الله بيسرحوا بينا.

- بيسرحوا إيه يا عم, الإسرائيلين ولاد الكلب مش ساكتين, هما اللى خاربين البلد هنا.

- أنت لسه بتصدق الكلام ده يا عمر.

تدخل عم أحمد السائق قائلا:

- أمال إيه يا أستاذ حسام, هما اللى حطوا لنا المواد المسرطنة فى الخضار عشان يجى لنا سرطان و كده.

- يعنى حطوها بنفسيهم يا عم أحمد مهو فيه حمير كبار هما اللى بيشتروا الحاجات دى.

لوح عم أحمد بيده اليمنى و رأسه أيضا تنفى بقوة و يقول بحسم العارف بالأمور:

- يا أستاذ حسام ده شغل صهاينة و أمريكان عشان مش عايزين البلد دى تقف على رجليها.

- و الله ما حد خاريبها ألا اللى ماسكينها بس أحنا بنغمى عنينا.

تدخل عمر قائلا:

- أنت دايما كده بتجادل.

رفعت له يديا مستسلما قائلا بابتسامة:

- لا يا عم و أجادل على إيه, هما الإسرائيلين ولاد الكلب اللى حيورثوا جمال الحكم كمان.

ضحك الجميع و عم أحمد يضغط على الكلاكس منبها أحدى السيارات التى حاولت أن تتجاوزه, و يتمتم بغضب:

- سواق حمار.

جلست على مقعدى ليتسلل النوم سريعا لعينى و عمر ينشغل بالحديث إلى أحدى المدرسات حول خطورة شبكة التجسس الإسرائيلية التى أحبط مساعيها جهاز أمن الدولة و كيف أن هذا الجهاز يعرف كل شىء و من أخطر الأجهزة الأمنية ليس فى مصر فقط و لكن على مستوى العالم, كانت كلماته تخفت تدريجيا كلما اندمجت فى نومى أكثر فاكثر, حتى أختفى صوته تماما و حل محله صمت و وش ضعيف سرعان ما انقضى لأنام بعمق مستمتعا بتلك الشاشة السوداء و ذلك الهدوء المطبق.

السبت، 13 سبتمبر 2014

رواية (ذكريات ما قبل الموت): الحلقة الأولى 18 ديسمبر 2010 بقلم/ مروان محمد

" الدم بينزف منى دافى و حاسس بتخدير قوى بيتسلل فى صمت و سرعة لكل جسمى, ابتديت أحس كمان بالهدوء الشديد من حوليا, رغم الدوشة العالية جدا, كأننا فى حرب, شايف أقدام بتجرى من حوليا و سامع من بعيد قوى صريخ .... حد بيرفعنى و بعدين نمت .... شكلى مت... شكلى أرتحت "

18 ديسمبر 2010

الموبايل يرن, استيقظ بعد الرنة الرابعة,الساعة السادسة و نصف صباحا, أعتدل فى فراشى ببطء و كسل شديدين, أطأ بقدمى الأرض الباردة, ابحث بعينين مغلقتين عن الشبشب, تتعلق به أصابع قدمى , أنهض فى تباطؤ متجها إلى الحمام.

“ليه دماغى بتشتغل حتى و أنا نايم, أفكار كتيرة داخلة و أكتر منها بتطلع, حالة من الهرجلة المرورية الغريبة, عشوائية غريبة قوى بتعيشها دماغى, يمكن نتيجة للوحدة المفرطة"

أغسل وجهى بالماء و الصابون, ليتبدد النعاس رغم تشنج جميع عضلات جسدى التى لم تستيقظ بعد, اتطلع إلى ملامحى المرهقة فى مرآة الحمام, اتوجه إلى صالة البيت, أبحث عن الريموت بعينى محاولا الاستعانة بذاكرتى المشوشة عن مكان الريموت, تحت الكنبة, بجوار اللاب توب, بالقرب من سخان المياه الكهربائى.

حسنا, أنه فوق التليفزيون, أتناوله, لأفتح التليفزيون, متابعا بشىء من عدم التركيز النشرة الإخبارية, المذيعة بوجه بلاستيكى تسرد مجموعة من الأخبار العالمية و العربية, اتحرك من مكانى للغسيل المنشور و اتناول قميص جاف متجها إلى المكواة.

" و فى تونس, محاولة انتحار أقدم عليها بائع متجول احتجاجا على مصادرة الشرطة لعربته التي يستخدمها لبيع الخضر والفواكه في مدينة سيدي بوزيد التونسية"

لماذا تطاردنى الأخبار الكئيبة دائما؟,

" وقام البائع المتجول الذى يدعى محمد بوعزيزي وهو شاب يعمل بائعا متجولا بإحراق نفسه احتجاجا, مما أسفر عن أصابته بحروق يعالج منها في المستشفى قرب العاصمة تونس,"

أفرد ياقة القميص لأمرر المكواة فوقها و أتأملها لثوان ثم أعيد كيها مرة أخرى

"و قال سالم بوعزيزي شقيق المصاب أثر زيارته له في مستشفى الأصابات والحروق البليغة في منطقة بن عروس في الضاحية الجنوبية للعاصمة تونس "إن أخاه لا يزال على قيد الحياة"

انتهى من كى القميص, ارتديه على عجل بعد الرنة المبتورة لسائق باص المدرسة, أتجه إلى غرفة النوم بسرعة مرتديا بنطالى و حذائى, ألملم اللاب توب و ملحقاته فى الحقيبة المخصصة له.

"لكن وضعه الصحي لا يزال حرجا وهو يرقد في العناية المركزة", مضيفاً أن "جسمه تفاعل ايجابيا مع عملية نقل الدم ما اعتبره الاطباء ......"

أغلق التليفزيون, ملتقطا مفاتيح الشقة, أغادر مسرعا و بيد عجولة أغلق باب الشقة, أكاد أثب على درجات السلم حتى أصل إلى مدخل العمارة, استنشق هواء يوم باكر, هواء لايزال نقيا سيتلوث بعد بضعة دقائق بعوادم سيارات القاهرة.

أسرع الخطى فى الشارع المؤدى إلى الشارع الرئيسى حيث ينتظرنى باص المدرسة, أعرج على المحل لاشترى علبة نسكافية ثلاثة فى واحد جديدة بعد أن أجهزت على علبة الأسبوع الماضى, ثم أسرع الخطى إلى الشارع الرئيسى حيث يقف عم أحمد فى انتظارى يدخن سيجارته, يبتسم و هو يرانى أهرول و يشير لى أن أسير بهدوء, أتباطىء مبتسما له فى امتنان بعد أن توقفت عنده قائلا:

- أزيك يا عم أحمد, معلش أتاخرت عليك النهاردة.

- و لا يهمك يا أستاذ حسام.

- أنا حركب بقى.

يبتسم مرة أخرى و هو يكمل سيجارته بدون اكتراث لقولى, أغادر مسرعا إلى باص المدرسة, يتبعنى بعد ثوان, يتحرك الباص و انا أسلم رأسى إلى ظهر مقعدى لأغط فى نوم سريع قبل أن نصل إلى المدرسة.

*****

أشعر بألام تنتشر فى كل أنحاء جسدى, اليوم بدا طويلا جدا و مثقل بالأعمال و ربما لهذا السبب مر أسرع مما أتصور , غادرت مبنى الإدارة متجها إلى حافة رصيف المبنى فى انتظار باص المدرسة و الباصات تتحرك من الساحة الخلفية للمدرسة متجهة إلى بوابة المدرسة و قد تجمع عدد من المدرسين فى الجهة الأمامية منتظرين مثلى الباصات, اقتربت منى بسمة, التى استقبلتنى بوجه واجم و يحمل الكثير من الأرهاق.

- أزيك يا بسمة. 

- أزيك يا حسام. 

- مالك يا بنتى؟

- مفيش.

- لا بجد و الله, أنت مش فى المود و لا إيه. 

تطلعت إلى وجهى كأنها تبحث عن شىء غريب فى ملامحى ثم أدارت بصرها باتجاه الباصات المتراصة على مرمى البصر فى الساحة الخلفية للمدرسة و الطلاب يتجهون كأسراب نمل فوضوى باتجاه الباصات و هى تقول ببطء و صوت خفيض:

- يعنى, مضايقة شوية.

- طيب ما تقوليلى .

نظرت لى مرة أخرى لثانية ثم قالت:

- خبر كده جه فى التليفزيون إمبارح جاب لى اكتئاب من أمبارح لحد النهاردة الصبح و خاصة بعد ما اتعاد فى نشرات الصبح.

- إيه الخبر ده؟, خير.

- واحد تونسى غلبان حرق نفسه امبارح بعد البوليس هناك ما صادر عربيته و بهدله. 

- أيوه ... أيوه, شوفته فى التليفزيون النهاردة الصبح.

ركزت بصرها على وجهى و قد بدا عليها شىء من الحماس و الكثير من الاهتمام و هى تسألنى:

- و إيه رأيك؟

- اللى عمله ده حرام طبعا, هو فيه مسلم ينتحر برضه, مات كافر طبعا. 

بدى أن إجابتى أحبطتها كثيرا و لم تكن تتوقعها و انقلبت ملامحها إلى شىء من الضيق و هى ترد بأسلوب هجومى:

- ده بس اللى لفت نظرك فى اللى عمله. 

- إيه اللى ممكن يلفت نظرى غير كده, هو أى حد يا بسمة يتعرض لموقف صعب يطلع يجرى يولع فى نفسه, مش منطق يعنى.

كأن كلماتى تزيد من غضبها و استعدادها الهجومى فملامحها لم تعد وحدها المتحفزة و لكن أيضا كل عضلات جسدها و انتصاب قامتها المفاجىء و هى ترد:

- لا, كان لازم يلفت نظرك مثلا أنه ممكن يكون عائل الأسرة الوحيد و أن العربية بتاعت الخضار اللى اخدوها منه و رفضوا يرجعوها ليه هى مصدر رزقه الوحيد و لأنه إنسان بسيط عايش حياة ضنك أنت عمرك ما عشتها و لو كنت عشتها و مريت باللى مر بيه كنت أكيد عملت زيه .

ضحكت و أنا أتابع كلماتها السريعة العصبية و لما انتهت بادرت قائلا:

- مالك بتدافعى عنه قوى كده زى ما يكون أخوك و أنا مش واخد بالى. 

وضعت يدها على جبهتها و هى توارى عينيها و تبتسم ابتسامة باهتة, تعبر عن شعورها بالسخافة و الخجل و قالت: 

- معلش أصلى مضغوطة شوية و أنت بصراحة نرفزتنى, مكنتش متوقعة منك الرد ده. 

- مهو انتحر يا بسمة إيه المفروض يكون ردى أقول و الله عنده حق المفروض كل واحد مضايق من حياته أو حد خنق عليه يطلع يجرى يولع فى نفسه و يرتاح. 

رفعت يدها اليمنى لتنهى النقاش و تبتسم إبتسامة تعنى أنه لا فائدة من الحوار و قد توقف الباص أمامها فصعدت درجتى باب الباص المفتوح و هى تقول بصوت ضاع مع محركه الذى أزداد علوا و هو يتحرك:

- أشوفك بكره. 

- أن شاء الله .

لماذا شعرت بالإحباط؟!, لأنى أهتم لأمرها كثيرا و لكنى مترددا بين التصريح و الإبقاء على الأمر سرا, لست من المؤمنين بالحب العذرى و لكنه الخوف من المسئولية و الألتزام, لأن التعبير عن مثل هذه المشاعر ليس المشكلة و لكن النتائج المترتبة على هذا التصريح هى أصل المشكلة, هى ألتزام, هى مسئولية, هى تضيق إلى الحد الأقصى لكل أشكال الحرية التى يعتز بها الشاب كثيرا.

تحرك الباص و من ثم تبعه الباص الخاص بى, ارتقيت درجتى السلم مهموما أفكر فى كلامها و فى ذلك التونسى الشقى السبب فى توتر الأجواء بيننا, و لماذا توليه هذا القدر من الاهتمام؟, هل هى المشاعر الرقيقة و المرهفة للنساء عموما أم هو هم إنسانى؟, بمجرد أن أسندت ظهرى إلى مقعدى تسلل النوم بسرعة محببة إلى عينى و بدأت استشعر الانسداد التدريجى فى أذنى حتى غابت كل الأصوات و حل محلها ظلام ثقيل, هى فترة قصيرة التى مرت حتى أتانى صوت المشرفة و هى توقظنى :

- أصحى يا أستاذ حسام, عشان تنزل.

نهضت كالعادة و أنا أشعر بثقل فى جفنى و بتشنج بسيط فى عضلات جسمى و بالأخص فخذيا, تناولت حقيبتى و غادرت الباص ملقيا السلام على من فيه, تحرك الباص من خلفى و من بعد التكييف اللذيذ استقبلت حرارة الجو التى بدت فى القاهرة متطابقة إلى حد كبير مع الجو الخليجى شديد الحرارة.

قطعت طريق الذاكر حسين متجها إلى كشك السجائر لابتاع علبة سجائر أل أم بيضاء و زجاجة شويبس شعير, سلكت الطريق المؤدى إلى بيتى بخطى بطيئة و أنا أشعر بخمول شديد و رغبة عارمة فى النوم سرعان ما ستتبدد عندما أدخل من باب الشقة, التقط الموبايل بعد الرنة الثانية و أنظر إلى شاشته.

- أيوه با بسمة, عاملة إيه؟ 

- إيه أخبارك؟

- ناوية تعتذرى. 

ضحكت و هى ترد على بلهجة حادة و ضاحكة:

- اعتذر إيه ؟

- أمال.

- أنا كنت عايزة أسالك هو فيه سى ديهات فى المدرسة عشان عايزة أنزل صور العيال من على الموبايل بتاعت الرحلة على السى دى. 

- آه فيه. 

- طيب أنا كنت بتصل عشان كده.

- و أنا قبلت اعتذارك. 

- على فكرة أنت بايخ. 

تعالى صوت ضحكى فى حين اضافت بكلمات سريعة:

- أنت أصلك مستفز فى الكلام. 

- يا سيتى حقك على.

فترة صمت قصيرة, أعرفها جيدا, فترة رسائل غير مسموعة تتأرجح على خيط رفيع بينى و بينها, قطعت الصمت بقولها :

- أنت وصلت البيت.

- قربت .

- حتتغدى إيه ؟ 

- حطلب دليفيرى. 

- يا سيدى. 

- سيدى أيه و بتاع أيه ده حتى أكل الدليفرى ده يسم البدن أساسا. 

- بكره تتجوز و تلاقى اللى تطبخ لك. 

- شدى حيلك. 

- أنا أتجوزك أنت, ليه خلاص؟!

أضحك مرة أخرى و أنا أقول:

- عامة أكلك وحش و شكلى حطلب دليفرى. 

- و الله بتحلم, متنساش السى دى بكره.

- ماشى.

- سلام. 

- سلام. 

أعيد الموبايل إلى جيبى و سعادة لذيذة تتسلل إلى عروقى فتنعشها من بعد خمول, أقف أمام باب الشقة, أدير المفتاح , أدخل مستقبلا حر الشقة, أتجه إلى المروحة الأرضية و أشغلها, أخلع ملابسى مسربا معه كل الحر المكبوت تحت ملابسى و أتناول ملابس خفيفة, فساعة العصرية هى ذروة الحر رغم أننا فى ديسمبر و لكن يبدو أن جو القاهرة يأبى أن يعترف بذلك.

أشغل التليفزيون متابعا أياه ثم أتجه إلى المائدة لأضع اللاب تول و أجلس على المقعد متابعا مذيعا بلاستيكيا يستعرض الأخبار الرياضية " و أما فى تونس فاليوم استعاد الترجي حامل اللقب نغمة الفوز بتغلبه على ضيفه مستقبل المرسى المتعثر بهدفين مقابل هدف واحد في افتتاح منافسات الجولة الثانية عشر للدوري التونسي الممتاز لكرة القدم اليوم السبت.

"وافتتح المهاجم الصاعد محمد علي بن حمودة التسجيل للترجي من تسديدة من عند حافة منطقة الجزاء في الدقيقة 57 و صنع الهدف الثاني للاعب الوسط الكاميروني روجيه تواندوبا قبل دقيقتين من نهاية اللقاء, وقلص مستقبل المرسى الفارق عبر مهاجمه أيمن اللطيفي من ركلة جزاء في الدقيقة الرابعة من الوقت المحتسب بدل الضائع للشوط الثاني....."

اختتم المذيع جولته الرياضية بابتسامة عريضة و شكرته مذيعة النشرة الأخبارية و توجهت إلى الكاميرا بوجهها البلاستيكى قائلة: "و أيضا فى الشأن التونسى اليوم خرج اليوم مئات من الأهالي الغاضبين إلى الشوارع للاحتجاج على تعرض أحد بائعي الخضر والغلال من خريجي الجامعات للضرب على يد أحد عناصر شرطة البلدية الأمر الذي دفع البائع إلى إحراق نفسه أمام مقر المحافظة وقال شهود عيان لوكالة الأنباء الألمانية إن محمد بوعزيزي سكب على جسده البنزين وأضرم في نفسه النار أمام مقر المحافظة احتجاجا على منعه من مقابله المحافظ لتقديم شكوى ضد شرطي بلدي قام بضربه بعد أن منعه الشاب من مصادرة الخضر والغلال التي كان يبيعها بدون ترخيص.

ونقل الشاب الذي أصيب بحروق بليغة إلى مستشفى سيدي بوزيد ومنه إلى مستشفى مدينة صفاقس وأظهرت مقاطع فيديو نشرت على شبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك» مئات من الأهالي الغاضبين يتظاهرون أمام مقر ولاية سيدي بوزيد مرددين النشيد الوطني التونسي فيما ذكر شهود عيان أن باعة خضر وغلال متجولين رشقوا مقر الولاية بالغلال والخضر التي كانت بحوزتهم إثر إقدام زميلهم على حرق نفسه."

استحوذ الخبر على اهتمامى الكامل و أنا أشاهد مقطع الفيديو الذى يعرض لمئات من التونسين و هم يتظاهرون أمام مبنى حكومى, الكاميرا مهزوزة فى يد من يصور و الصورة تبدو باهتة الرؤية, يستبدل الفيديو بصورة المذيعة و هى تقول: و لقد وردت أنباء عن وقوع اشتباكات بين قوات الشرطة و المتظاهرين اليوم و لم تردنا أنباء عن سقوط ضحايا أو جرحى و نعرض الأن مقطع من فيديو موجود على شبكات التواصل الاجتماعى للشاب بو عزيزى و هو يحرق نفسه و نحيط السادة المشاهدين علما بأن مقطع الفيديو يحتوى على مشاهد قد تكون مؤثرة"

انتفضت انتفاضة خفيفة و أنا أشاهد مقطع الفيديو لذلك الشاب التونسى و هو يجرى بجنون و ألسنة النيران تلتهم جسده فى وحشية شديدة و تكاد تلك الألسنة تخفى جسده كله, عادت الصورة لتبث المذيعة مرة أخرى و هى ترفع حاجبيها ثم تقول فى جمودها البلاستيكى: "و على صعيد آخر كست كميات كثيفة من الثلوج المتساقطة على عين دراهم شمالي العاصمة تونس الطرقات وأسطح المنازل وأغصان الأشجار بغطاء من البياض الناصع لتتحول المدينة الى لوحة جميلة تعجز ريشة أمهر الرسامين على محاكاتها وتساقطت طيلة الأسبوع كميات كثيفة من الثلوج على عدة مدن بشمال البلاد مثل الكاف وباجة وجندوبة وساقية سيدي يوسف وطويرف وبلغ سمك الجليد في بعض المناطق 40 سنتيمترا وطوق المدينة بياض ناصع بينما كانت أغصان الأشجار تتمايل مثقلة بالثلوج"

رن الموبايل, نظرت إليه و أطلت النظر حتى التقطه و أجبت بصوت متحشرج:

- أيوه يا بسمة 

- شوفت أخبار تونس, الناس مولعة هناك فى مدينة اسمها سيدى أبوزيد اللى فيها الشاب اللى حرق نفسه و اشتبكوا مع الشرطة.

- آه. 

- شكلها حتولع. 

- معتقدش .

- ليه يا فقرى ؟

- يعنى حتيجى أكتر من اللى حصل عندنا فى شبه حرب ما بين الشرطة و أهالى المحلة الكبرى و لا ناسية و انتهت على إيه فى النهاية ؟

- بجد أنت بتحبطنى دايما. 

أحاول بشتى الطرق أن أصرف عن عقلى صورة ذلك الشاب و هو يحترق و قد أصابنى بألم فى معدتى, فقلت لها ممازحا فى محاولة للخروج من هذه الحالة :

- بقولك إيه ما تيجى نروح تونس.

- إيه ناويت تشارك معاهم.

- لا, بيقولوا التلج مغرق العاصمة هناك و شكلها حلو قوى, إيه رأيك ؟

- و الله أنت فايق و رايق, سلام.

- سلام.

وضعت الهاتف على المائدة ببطء و تناولت ريموت الكنترول و اغلقت التلفزيون, انهض من مكانى فى تثاقل و ألم معدتى يزداد متجها إلى الفراش لأغط فى نوم هادىء, بعيدا عن ألسنة النار الوحشية التى ألتهمت جسد هذا البائس

******

الاثنين، 30 ديسمبر 2013

المقالات الادبية: موقع حروف منثورة و عطاء 3 سنوات بقلم/ مروان محمد

لأول مرة أتحدث فى مقال عن موقع حروف منثورة و لكنى وجدت أن الأمر يستحق أن نفرد له مقال كامل للنظر فيما مضى من عمر الموقع و ما هو قادم و إلى أى مدى حقق موقع حروف منثورة أنجازات فى العالم الثقافى للوطن العربى أجمع. 

فى ظل ألاف المدونات و المواقع الثقافية الأخرى على شبكة الأنترنت, فى ظل مئات الدوريات و المجلات الثقافية و الأدبية المطبوعة, ما هو الفارق الذى من الممكن أن يقدمه موقع حروف منثورة للقارىء العربى؟, و إلى من نوجه كتاباتنا تحديدا؟, أسئلة مثل هذه و أكثر دارت فى مخيلتى على مدار ثلاث أعوام و أنا أتابع نمو موقع حروف منثورة, كنت أتابع مراحل التطور و النمو و فى نفس الوقت أقوم بمراجعة شاملة لكل ما تم إنجازه و ما هى السلبيات التى واجهتنا؟

شارك فى بناء الموقع عدد من الأقلام المجهولة أو المنسية التى لا تحظى بأى فرصة للتعبير عن نفسها فى منابر ثقافية معروفة أو حتى واسعة الانتشار فهى محصورة على أقلام معينة, حتى الثقافة داخلها التوريث و المحسوبية و الاحتكار, فقصور الثقافة الجماهيرية فى مصر يسيطر عليها عصابة فلولية مباركية و أيضا يسارية مدعية !

ما المختلف الذى من الممكن أن يقدمه هذا الموقع للقلم المبدع؟, للقارىء؟, ما هو المميز لدينا؟, هذا شىء لا أستطيع أن أحكم عليه و لن أعصر دماغى للبحث عن مقولة خالدة عن الموقع أشبه بحكمة اليوم!

لا أعلم ما الذى يجعل موقع حروف منثورة مميزاً عن سائر المواقع الثقافية العربية؟, ربما لا شىء, ربما كل شىء, ربما بعض الشىء, و لكنه يبقى بالنسبة لى أنا على الأقل مميز جداً ... رائع جداً ... عشرة بينى و بين الموقع أمتدت إلى ثلاث سنوات و لا أعلم كم عدد السنوات القادمة التى من الممكن أن تمتد بينى و بين هذا الموقع, نضيف أبواب للموقع و نحذف أبواب أخرى, فى محاولة مستمرة لتطوير إمكانيات الموقف الثقافية لتلاءم مختلف الأذواق الثقافية.

نقدم خدمات ثقافية جديدة ليس بشكل مستمر و لكن بشكل دائم نحرص على أن نقدم خدمات ثقافية متنوعة تواكب روح العصر, لأن العصر القادم و هو أقرب مما نتصور عصر الكلمة الرقمية و ليس الكلمة المطبوعة, يكفى أن تلقوا نظرة على الهواتف الذكية الجديدة لتعلموا أن أغلب المتعاملين مع هذه الهواتف فى الغالب لا يقرأون الكلمة المطبوعة ألا فيما ندر و لكنهم يتكيفون و يهضمون الكلمة الرقمية جيداً.

أؤسس موقع حروف منثورة فى أبريل 2011 وأيضاً أوسست حروف منثورة لنشر الكتب إليكترونياً منذ 7 أشهر تقريباً فى مايو 2013 و نحن على أعتاب 2014 , يفصلنا عن السنة الجديدة بضعة أيام فقط, تكون حروف منثورة للنشر الإليكترونى أصدرت نحو 38 كتاب إليكترونى حتى الأن تتنوع هذه الكتب بين ديوان شعرى أو مجموعة قصصية أو رواية أو كتاب فى النقد الأدبى أو كتاب فى علم النفس و الطب و قضايا إسلامية... تنوع تفخر به حروف منثورة لنشر الكتب إليكترونياً. 

نقوم بتطوير أدوات الموقع أيضاً وفق ما هو متاح لأن الموقع يقوم بالكامل على فلسفة المجانية التامة حتى فى بناءه و تأسيسه و إضافة بعض الأدوات التى تسهل لزائر الموقع إمكانية التواصل مع صفحات الموقع, كل ذلك يعتمد على فلسفة الأدوات المجانية و الجهود التطوعية بدون أجر.

السؤال الذى يقلقنى دائماً هل من الممكن أن يستمر موقع حروف منثورة لسنوات أخرى أم أن مصيره الأفول كغيره من المواقع الثقافية الكثيرة التى تألقت لبعض الوقت ثم أفلت و بعضها بدأ و أنتهى بدون أن يسمع أحد عن تلك المواقع.

لا أعرف تحديداً شعبية موقع حروف منثورة فى العالم العربى ربما تكون متأخرة جداً, ربما هم قلة من يزورون هذا الموقع أو سمعوا عنه أو أعجبوا به, لا أعرف و لكنى أتمنى أن ينال قسطاً من الشهرة استحقاقاً لما فيه من موضوعات لن أقول فريدة من نوعها و لكنها متميزة إلى حد كبير, غنيه فى أبوابها, موقع يتميز بالجدية التامة و أساليب الكتابة الحديثة و التقليدية, ربما نواجه صعوبات حقيقية فى التدقيق الإملائى و النحوى لكل مقالات الموقع, هذه حقيقة لا نستطيع أن ننكرها أو حتى نتغافل عنها و لكننا نحاول قدر المستطاع أن نحقق و ندقق و لكن طالما بنيت كل الجهود على الفعل التطوعى فلا تتوقع كثيراً, سيتسلل إليك القصور و السلبيات من نواحى عدة لن تستطيع سدها ألا بالمال فقط!

لا نريد أى دعم مادى من أى شخص, فهذا ليس مقال للتسول أو محاولة استدرار عطفك علينا, نحن نريد مشاركتك الإيجابية فقط من خلال ترددك على الموقع بشكل مستمر أو المساهمة فى إثراء الموقع ثقافياً, و كما قلت سابقاً نحن رقم من ضمن ألاف الأرقام لمواقع ثقافية كثيرة و لكن مما لا شك فيه أننا لا نقدم محتوى ساذج أو غير موثق, نحن لسنا منتدى تسلية تم تطعيمه ببعض الأبواب الثقافية الهزلية !

نحن نريد من خلال موضوعات الموقع أن نستقطب كل الفئات العمرية و الفكرية و العلمية و الثقافية المتباينة من شخص لآخر, نريد أن نكون موقع مهضوم للقارىء العادى و أيضاً موقع مهم و شيق للقارىء المتخصص أو الباحث.

تحقيق هذه المعادلة فى ظل الجهود التطوعية هو أمر ليس بالمستحيل و لكنه صعب جداً و مرهق جداً و يجعل الكثير من الأقلام تهرب من الموقع, نحن لا نريد أقلاماً تكتب السهل للناس فمواقع أخرى تتكفل بهذا الأمر على أكمل وجه, نحن نريد أن نجعل قارىء المقال يفكر و يشارك بفاعلية مع موضوعات الموقع عن طريق النقد البناء, نريد أن نضيف إليه الجديد فى مختلف أفرع الثقافة, لا نريد أن نشغل وقت فراغه بطائفة من الموضوعات الثقافية الخفيفة الممزوجة بتسالى !

لا نريد القلم السهل الذى يمكن أن تقرأه فى مئات المنتديات و المواقع الأخرى و لكننا نريد القلم الصعب الذى يستقطب القارىء النهم للمعرفة الذى يطرح التساؤلات بعد قراءة المقالات و ليس القارىء الكسول بأى حال من الأحوال.

لن نقدم وجبات خفيفة أشبه بسندوتشات ماكدونالدز نحن نقدم وجبات فعلا دسمة ستتسبب لك فى إرباك فكرى لأنها ستدفعك للتفكير و التساؤل و محاولة الإجابة, هذه هى نوعية القارىء التى نبحث عنها دائماً و نحاول استقطابها, لهذا السبب هناك قلة فى زوار الموقع, و لما لا فعدد الزائرين لا يمكن قياسهم بالكم و لكن مثل هذه المواقع الثقافية الجدية لها مقياس نوعى إلى درجة كبيرة و ليس كمى بأى درجة من الدرجات.

لا عيب فى أن نقول أننا نبحث عن صفوة القراء و أيضاً نسعى لاستقطاب القارىء العادى و ضمه لفريق الصفوة من خلال قراءة موضوعاتنا المتنوعة الثرية جداً حسبما أعتقد. 

أحب أن أختام المقال بحدثين هامين جداً, الحدث الأول كان أمس عندما راسلتنى الأديبة إيمان الدواخلى لتخبرنى بأنها ستنشر مجموعتها القصصية المشتركة بعنوان الناس مقامات ورقياً و أنها طلبت منى رفع المجموعة المنشورة إليكترونياً من على الموقع, كان هذا حدث فريد من نوعه بالنسبة لى, شعرت بسعادة شديدة أن واحدة من الأعمال الإبداعية قبل أن تنشر ورقياً كانت منشورة إليكترونياً أولاً على موقعى حروف منثورة و الحدث الثانى كان اليوم عندما استقبلت إيميل من شخص لا أعرفه يحدثنى عن شخص أيضاً لا أعرفه و لكنه زائر دائم لموقع حروف منثورة و يعبر لى عن مدى سعادته بموقع حروف منثورة و كيف أنه موقع متميز و فريد من نوعه, أسمحوا لى أن أشارككم نص رسالته الجميلة:

أسعدني و أنا أتلقى عنوان الموقع من صديقي المصري طاهر أبو جبل كما أني كنت كامل السعادة و أنا أتصفح موقعكم المحترم ألذي هو فعﻻ غني بثرات أدبي جميل، يدل فعﻻ على ثقافة اﻹنسان المصري. مني أنا محمد كظيمي أطيب المنى و أرق التحيات والسلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته.

الحقيقة أننا من أجل هؤلاء الناس نستمر و نواصل سعينا الدؤوب لاستمرار الموقع إلى إن يشاء الله و لا يعينيا زيادة عدد زوار الموقع لأننا موقع غير ربحى فبالتالى نحن أصبحنا بعد مضى ثلاث سنوات أكثر تحديداً فى فئة القراء التى نستقطبها و هى فئة قراء الصفوة كما أسميتهم من قبل.

سيستمر عطاء موقع حروف منثورة الثقافى إلى إن يشاء الله, بالتأكيد أحد أهدافنا هو الوصول إلى التميز و أن نتفرد عن باقى المواقع الثقافية و أيضاً الدوريات الثقافية المطبوعة, لا نسعى فى الوقت الحالى أو حتى مستقبلاً لأن نتحول إلى دورية ثقافية مطبوعة و ذلك لأننا لا نملك أى إمكانيات مادية تؤهل لنا فعل ذلك و لإيمانى الشخصى بأن المستقبل حسم الجدل بين الكلمة المطبوعة و الكلمة الورقية و مالت الكفة لصالح الكلمة الرقمية.

إذن أحب أن أقول أخيراً و ليس آخراً, أننا ننتظر منكم التفاعل الذى يولد لدينا الدافع القوى للاستمرار و لتقديم المزيد من المنتجات الثقافية و الأدبية و الإبداعية, سيختلف عليها بعض القراء و يتفق عليها البعض الأخر, هذا الخلاف هو ظاهرة صحية نبحث عنها و نسعى إليها جاهدين, لن يرضى عن أداء الموقع و مستواه عدد من الناس و سيقابله آخرون يرضون عن أداء و مستوى الموقع, هذا التنوع يخلق نوع من التوازن المطلوب ليس فقط لاستمرار نشاط موقعنا و لكن ليكون مبدأ راسخ فى حياتنا و هو تحقيق التوازن المطلوب بين الرفض و القبول و الذى نفتقر إليه كثيراً للأسف فى هذه الأيام.

يجب أن يكون لنا دور, أى دور و لو ضئيل جداً فى بناء مجتمع واعى مثقف و لو بعد حين, و لو كان أمد هذا المشروع عقود أخرى و لكن يجب أن يستمر هذا المجهود الثقافى حتى يتحقق هذا الهدف السامى بأذن الله.

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

دراسات: نثر - شعر: المشهدية فى أعمال دان براون الأدبية بقلم/ مروان محمد

هذه القراءة الانطباعة أقدمها لكل محبى أعمال الكاتب دان بروان و أعتقد أن أول شىء أفتتح بهذه القراءة الانطباعية هو ذكر ملامح سريعة عن حياة دان براون فلقد ولد فى العام 1964 في ايكسيتير،نيوهامشير، الولايات المتحدة الأمريكية, كان والد بروان يعمل أستاذاً لعلم الرياضيات أما والدته فكانت عازفة للموسيقى الدينية، وهكذا نشأ دان في بيئة تجمع بين العلم والدين. تزوج دان من بلايث وهي أستاذة في علم تاريخ الفن ورسامة وكثيراً ما ترافقه في رحلاته الاستكشافية.

تخرج دان من جامعة آمهيرست وأكاديمية فيلبس اكستير حيث عمل لبعض الوقت كمدرس للغة الإنجليزية قبل أن يتجه بعد ذلك إلى الكتابة. و استخدم حبه لفك الشفرات وأسرار المنظمات الحكومية فى تأليف أول رواية له بعنوان الحصن الرقمي والتي سرعان ما أصبحت رقم 1 في أكثر الكتب الإلكترونية مبيعاً على المستوى المحلي.

اعتبرته مجلة التايم بعد أن أصدر روايته الشهيرة شيفرة دا فينشي أنه واحداً من أكثر مائة شخص أثروا في العالم. ظهر دان براون على قناة سي إن إن وبرنامج توداي شو وراديو ناشونال وصوت أمريكا وتصدرت صوره صفحات الجرائد والمجلات, تم ترجمة رواياته ونشرها لأكثر من 40 لغة حول العالم.

و بسبب روايته شيفرة دافنشى ثار جدل فى الوسط المسيحى حول مدى ارتباط دان بروان بالمسيحية من عدمه و عندما سُئل عن كونه مسيحياً، أجاب : "نعم. فإذا سألت ثلاث أشخاص عن معنى كون المرء مسيحياً فستحصل على إجابة من ثلاث: بعضهم يعتقد أن المعمودية تكفي لأن يكون الشخص مسيحياً، والبعض يعتقد بحتمية قبول الكتاب المقدس على أنه حق مُسلم به، بينما يعتقد البعض الآخر بوجوب قبول المسيح كمخلص شخصي للحصول على الخلاص وإلا ذهبت إلى الجحيم. أنا أعتبر نفسي دارساً لعدد من الأديان وكلما تعلمت المزيد، زادت أسئلتي ", و كما هو واضح من إجابته فأنه لم يعطى إجابة شافية حول هذا الأمر و راوغ فى الإجابة و ذلك لأنه فى راويته شيفرة دافنشى أعلن صراحة أن المسيحية كذبة استمرت لألفين سنة.

يتميز أسلوب دان براون الروائى بأنه يعتنى جدا بالمشهدية, بشكل أكثر وضوحا يعطى للتفاصيل أهمية قصوى فى وصف المشاهد الموجودة بالرواية للدرجة أنه يهتم بوصف تفاصيل المكان الذى تدور فيه الأحداث سواء كان مبنى أو غرفة أو أى شىء من هذا القبيل, أسلوب كتابته أقرب إلى الأفلام السينمائية فهو يهتم بشكل خاص بكل حركات الأشخاص الانفعالية سواء فى نبرات الصوت أو لغة الجسد و التأكيد على نبرة الصوت و ارتباطها بالموقف أو الحدث الذى تعيشه الشخصية.

كذلك لغة الجسد تأخذ حيز مهم جدا فى أعمال دان بروان الروائية كما أنه لديه ولع شديد بالأغراق فى المعلومات التاريخية و خاصة الرموز الدينية و الإسهاب فى وصف نظريات المؤامرة سواء كانت دينية كما يظهر ذلك جليا فى روايتى ملائكة و شياطين و شيفرة دافنشى أو نظرية مؤامرة حكومية كما يظهر جليا فى روايته حقيقة الخديعة.

و أرى أن إسهابه المفرط فى ذكر المعلومات التاريخية داخل النص الأدبى قد يفقد متعة القارىء للنص الأدبى و تتحول الكثير من صفحات الرواية إلى ورقة بحثية بحتة و ذلك قد يخرج القارىء من الجو الأدبى الذى يحاول أن يصنعه الكاتب داخل عمله, أيضا إغراقه المفرط فى ذكر تفاصيل كثيرة و دقيقة للغاية تجعل روايته فى بعض أجزائها تجنح إلى الملل و تفقد القارىء قدرته على التواصل مع أحداث الرواية الشيقة و لكن كل ذلك لم يقف عائقا أمام إبداع أدبى واضح فى أعماله الأدبية.

بالإضافة إلى إتسام عمله الأدبى بالضخامة من حيث عدد الصحفات نتيجة لكمية المعلومات التى ترد فى عمله الأدبى و إغراقه فى التفاصيل و لكن كل ذلك لا يفقد القارىء متعته فى متابعة أحداث الرواية الشيقة و لا تسيطر على القارىء حالة ممل تؤثر فى رغبته لمواصلة القراءة , فمهارات دان بروان فى صياغة الأحداث و تلاحقها و غرز عناصر التشويق فيها تجعل القارىء يتغاضى عن كل هذه الشكليات لمواصلة قراءة العمل الأدبى بدون ملل و استمتاع.

من يجب هذا اللون الأدبى أتصور أنه إذا أقدم على قراءة رواية لدان براون لن يتوقف عن قراءتها حتى ينهيها بالكامل فى غضون يومين أو ثلاثة على الأكثر على الرغم من ضخامة العمل الأدبى.

كما أن دان بروان يهتم جيدا بالمعلومات التاريخية المثيرة للغاية و التى تكاد تكون حقيقة أغرب من الخيال و يدلل على مصداقية المعلومات التاريخية أو العلمية التى يثيرها فى عمله بحيث لا يتطرق الشك إلى القارىء فى مصداقية هذه المعلومات على الرغم من غرابتها الواضحة التى قد تصور للقارىء أنها من صنع خيال المؤلف و لا تمت للواقع بصلة و لكن براعته و قدرته على إذهال القارىء تتلخص فى أنه يدفع إليك بحقائق مثيرة قد تكون مستنكرة و لا تتصور أنها حدثت بالفعل و يبرهن على مصداقيته التامة و قد تجلى ذلك واضحا فى عمله الأكثر شهرة " شيفرة دافنشى" خاصة فى الأماكن التى أرتداها بطل القصة بصحبة المفتشة الفرنسية و التى قد يتصور القارىء للوهلة أنها أماكن متخيلة و لكن يعترى القارىء الشعور بالدهشة عندما يعلم أن الوثائق و الأماكن التى يعرض لها كاتب العمل الأدبى حقيقية بالفعل و موجودة على أرض الواقع.

نحن أمام ظاهرة فريدة فى العالم الأدبى قادرة على أن تدخل كل عناصر المفاجأة على القارىء بمعلومات حقيقية تماماً و أن قدرة الكاتب على أدهاش القارىء بمعلومات واقعية أقوى و أكبر بكثير من إبهاره بخياله البحت. 

فضلا عن قدرته عن توظيف هذه المعلومات المثيرة فى قالب أدبى جيد, لأنى أتصور أنه من الصعب جدا و المرهق أن تحاول أن تضفر بحث تاريخى قائم على معلومات معقدة فى قالب أدبى و لا يخرج مملاً, فربما حاول أدباء غيره أن يفعلوا المثل و لكنهم تورطوا فى مأزق الملل الذى يسيطر على القارىء لدى قراءته للعمل و المباشرة الواضحة فى عرض المعلومات و التى لا تجد صدى لدى هذه العوامل السلبية فى الأعمال الأدبية لدان بروان.

مثلا روايته حقيقة الخديعة و هى تتناول موضوع مذنب من المريخ اكتشتفته وكالة ناسا فى العام 1994 فى ثلوج الألسكا و قدر عمره بملايين السنين و تدور أحداث الرواية حول مبارزة علمية بين علماء من خارج وكالة ناسا مع علماء من داخل وكالة ناسا حول إثبات تزويير علماء ناسا فى نسب هذا المذنب إلى المريخ و قد أعلنوا أنهم وجدوا مستحثات على هذا المذنب تشير إلى مظاهر حياة أولية على المريخ و أن الفريق العلمى الأوربى يحاول أن يكشف زيف هذه المعلومات و أن هذا المذنب تم صناعته فى وكالة ناسا فى محاولة لتلميع ناسا علمياً و تبرير حصولها على دعم مادى يقدر بمليارات الدولارات سنويا من ضرائب المواطنين الأمريكيين.

و اعتمد فى هذه المبارزة العلمية بين إثبات مصداقية المعلومات التى أوردتها ناسا حول المذنب من عدمه على معلومات علمية معقدة جداً و تجلت براعة المؤلف دان بروان فى عرض هذه الحقائق العلمية المعقدة جدا كأنها حلوى تقدم فى طبق شهية للغاية و سهلة الهضم.

و هو أعتمد فى صنع روايته على قصة حقيقية أعلنت فيها وكالة ناسا عن الكشف عن مذنب سقط من المريخ على كوكب الأرض منذ ملايين السنين و وجد عليها مستحثات تشير إلى مظاهر حياة أولية على سطح المريخ و قدم رواية رائعة للأسف لم تنال نفس شهرة الروايتين اللتين تتناولان أحداث تاريخية و هى شيفرة دافنشى و ملائكة و شياطين, ربما لأن المعلومات العلمية ليست قادرة على إبهار القارىء بأكثر من المعلومات التاريخية المثيرة للجدل حول مسلمات استمرت لعقود طويلة من الزمن.

هذه لمحة بسيطة عن الإبداع الأدبى الذى قدمه لنا دان بروان من خلال خمس روايات و هم كالتالى: الحصن الرقمى – حقيقة الخديعة – ملائكة و شياطين – دافنشى كود – الرمز المفقود.

المقالات الاجتماعية: محو الأمية و دورها فى نمو الحريات بقلم/ مروان محمد

فى كل البلدان التى تحكمها أنظمة شمولية استبدادية تجد أن نسبة الأمية مرتفعة فيها, لأن أى نظام استبدادى يحرص تمام الحرص على أن يبقى قطاع كبير من الشعب لا يعرف القراءة و الكتابة, لأن القراءة و الكتابة مفتاح الأمم نحو حريتها, و معرفة حقوقها و المسارعة إلى المطالبة بها كما تحدث عنها عبد الرحمن الكواكبى فى كتابه طبائع الاستبداد.

ليست فقط العوامل السياسية و الاقتصادية هى التى تعوق التنمية فى بلدان العالم الثالث و لكن يتدخل عامل الأمية كعامل حاسم فى تأخر نمو هذه الأمم و إنطلاقها نحو الديموقراطية و أى حكام مستبد يخشى من الأمة المتعلمة لأنها ستكون واعية بحقوقها و تستطيع أن تصل إلى المعرفة من مصادر متعددة بدون الحاجة لأن تتجرعها من خلال قنوات النظام التى تحدد النسق المعرفى الواجب على المواطن تلقيه.

محو الأمية يحد من قدرة الحاكم المستبد على الاستبداد بشعبه و من الممكن أن تسقط ذلك الحاكم المستبد فأى حاكم مستبد يتحكم فى شعبه عن طريق الجهل المعرفى و هذا ما نعانى منه فى مصر خاصة و فى العالم العربى عامة و هو أرتفاع نسب الأمية إلى حدود قياسية مفزعة, ففى مصر ما يقرب من نصف السكان أميين أو تسربوا من التعليم فى مراحل التعليم الأبتدائى.

من خلال انتشار الأمية تستطيع أى جماعة سياسية سواء كانت فى الحكم أو فى جناح المعارضة أن تحرك ذلك القطاع الأمى و تبث فيه أنساق معرفية معينة تخدم على مصالحها و لكن القضاء على الأمية يحد من سيطرة أو تحكم هذه الجماعات السياسية الحاكمة أو المعارضة على شعوبها.

نحن أمام تحدى عظيم و هو القضاء على الأمية و لأننا نحيا فى ظل أنظمة استبدادية فلا يمكن أن نعول على هذه الأنظمة فى إرساء مشروع قومى للقضاء على الأمية لأن ذلك يعد سلاح خطير موجه إلى وجه و صدر هذه الأنظمة و يجب أن نضطلع نحن أفراد الشعب بهذه المهمة, فشل الثورة المصرية جانب كبير منه بسبب نسبة الأمية المرتفعة.

حتى الأنظمة الديموقراطية أو التى تنتهج الآليات الديموقراطية من إجراء انتخابات و استفتاءات لو وجدت فى مجتمع نسبة الأمية فيه أعلى من نسبة المتعلمين أو حتى نسبة الأمية فيها مرتفعة فهى بالتالى تتحول تدريجيا إلى أنظمة استبدادية تلبس ثوب الديموقراطية الشكلية دون ممارسة جوهر العملية الديموقراطية لأن من السهل السيطرة على مجتمع أمى بالآليات الديموقراطية و تسيره فى المخطط التى تتخذه هذه الجماعات السياسية فيتحول الأمر من ممارسة الديموقراطية إلى ممارسة ديكتاتورية تم تزينها بملامح ديموقراطية هشة.

من السهل وقتها التأثير على مجتمع تتفشى فيه الأمية و قيادته لاختيار اختيارات تفرضها عليه تلك الجماعات السياسية من خلال الآليات الانتخابية و ذلك لأن مصدر المعلومات الوحيد سيكون وقتها النظام القائم المتحكم فى العملية الديموقراطية و لن يكون أمام هذه المجتمع المتفشية فيه الأمية مصادر أخرى حرة ينتقيها بنفسه للبحث عن المعرفة بطريق غير طريق النظام.

فبالتالى للوصول إلى عصر الحرية و ممارسة ديموقراطية شكلاً و جوهراً, يجب أن نتخلص من الأمية و هذا كما أسلفت لن يتحقق من خلال تلك الأنظمة و لكن من الممكن أن يتحقق من خلال المبادرات الفردية و الجماعية على مستوى مصر كلها.

يجب أن يقوم كل فرد متعلم بمحو أمية عشر أشخاص على الأقل كل عام, من خلال الجمعيات الأهلية أو المساجد, يجب أن نفرغ جزء من وقتنا لإداء هذا المشروع القومى الهام, لأن ذلك سيساعدنا مستقبلاً فى الوصول إلى الحرية و لا يتوقف الأمر عند حد الوصول إلى الحرية و لكن أيضاً المحافظة عليها من الضياع أو من تأثير النظام الحاكم أو جماعات الضغط من محاولات التضليل و الخداع المعرفى التى ستقدمها إلى جمهور ترتفع فيه نسبة الأمية وقتها و من السهل التأثير عليهم, و لكن مع محو الأمية سيجدون أنفسهم وقتها أمام شعب تنخفض فيه معدلات الأمية إلى أدنى مستوياتها فلن يسهل خداعهم عن طريق نسقهم المعرفى المضلل الذى يهدف إلى إحكام السيطرة على هذا الشعب, لا يمكن القول أن هذا الشعب سيتخلص بشكل كامل من مظاهر السيطرة و الاستبداد و لكن سيحد منها إلى حد كبير.

لذا من المهم جداً أن تكون هذه مهمة الأجيال الحالية فى محو أمية المجتمع و أن طال أمد هذا المشروع لمدة عشر سنوات فلا بأس من أن يكون مشروع تطويل الأمد و لكن ستتغير الخريطة الاجتماعية للشعب المصرى وقتها بعد عشر سنوات من الأن, لقد أصرفنا الكثير من الطاقات فى صراعات ثانوية استنزفت أغلب جهودنا و خرجنا من معركة الثورة خاسرين و حتى تنجح الثورة مرة أخرى و تحقيق حلم الديموقراطية و الحرية علينا أن نمحو أمية هذا الشعب بقدر المستطاع من خلال المبادرات الفردية و الجماعية فيمكنك أن تتخيل إذا قام كل شخص بمحو أمية عشرة أشخاص كل عام لمدة عشرة أعوام و لك أن تتخيل أن من انخرط فى هذا المشروع القومى ربع مليون شخص متعلم قام بمحو أمية عشرة أشخاص كل عام لمدة عشرة أعوام فأننا سنكون وضعنا الأمية فى أدنى مستوياتها خلال عشر سنوات فقط. 

نتكلم بعد عشر سنوات من الأن عن محو أمية 25 مليون شخص, هذا رقم خيالى و لكن ممكن الاقتراب منه أو تحقيقه, يمكنك أن تشاهد هذا المجتمع بعد عشر سنوات من الأن كيف سيكون حاله و وعيه المعرفى , سيكون متقدم جداًً لأن كل شخص سيتم محو أميته سيدرك الفارق الهائل بين أميته سابقا و بين محو أميته لاحقاً و سيكون حريص أشد الحرص على أن ينال أولاده قسط من التعليم يفوقه بمراحل.

سنتخلص من الأمية بشكل حاسم بعد عشر سنوات فقط من الأن, ما أقوله ليس ضرب من الخيال أو الأحلام و لكنه السبيل الأنجح و الأكثر تأثيرا فى التخلص من الأنظمة الاستبدادية لأن وقتها سيكون كل إنسان على أرض مصر قادراً على انتقاء مصادر معرفية مختلفة وفق ما يروق له و يطمئن له و لن يضطر إلى أن يتلقى النسق المعرفى من مصدر واحد فقط و هو السلطة الحاكمة و لكن ستتنوع وقتها مصادره مما يعنى اتساع أفقه المعرفى مما يعنى نضوج وعيه السياسى و المجتمعى و تشبعه لقيم الحرية و الممارسات الديموقراطية و سيتعرف وقتها على حقوقه كمواطن عصرى و سيخرج للمطالبة بها بكل قوة لأن نور المعرفة قادر على أن يحرك كل هذه الكتل الكسولة التى ارتكنت إلى كسلها لجهلها المعرفى, إذن العوامل الاقتصادية و السياسية قد تكون مؤثرة فى تأخر التنمية التى نطمح إليها و لكن هناك من وجهة نظرى عامل أجتماعى آخر أشد خطورة و أكثر أهمية و هو الأمية.

سأكرر ما قلته فى صدر المقال و هو أن أى نظام استبدادى يحرص تمام الحرص على أن تبقى نسبة الأمية مرتفعة فى الشعب الذى يحكمه لأنه سيسهل من قيادة هذا الشعب لأن النظام الحاكم سيكون المصدر الوحيد للمعرفة أما بمحو الأمية فسنفتح أبواب المعرفة و ستتنوع مصادرها أمام هذا الشعب فيستطيع أن يميز و يقيم و يحلل و يفكر و من ثم يبادر بأخذ الخطوات و يبنى الأراء التى تتوافق أو تختلف و يقف بالمرصاد وقتئذٍ للنظام الحاكم و لا يترك له المجال بعد ذلك لأن يتلاعب به و يضلل تفكيره.

المقالات الفلسفية: احتضار الفلسفة شىء حتمى بقلم/ مروان محمد

كثيراً ما يجول بخاطرى سؤال حول الفلسفة, ما هى أهمية الفلسفة فى الوقت الراهن؟, كل المنتمين إلى الفضاء الفلسفى سواء فلاسفة أو محبى الفلسفة سيذكرون لك عشرات الأسباب التى تقوى من أهمية الفلسفة فى الوقت الراهن و ضرورتها الحيوية فى الإجابة على تساؤلات تأملية هامة و المعترضين على الفلسفة و المناهضين لها سيذكرون لك عشرات الأسباب التى تضعف من شأن الفلسفة اليوم و جدوى استمرارها.

هذا السؤال ليس الأول من نوعه و لكنه جدل قديم و مثار لنقاشات فكرية متواصلة لم تتوقف و لم يقتنع فيها أى طرف من الطرفين بحجج الطرف الآخر حول أهمية الفلسفة فى العصر الحديث.

من المعلوم أن الفلسفة فى العصر اليونانى تعتبر أم العلوم كلها ( الطبيعية و الإنسانية) و لكن مع تطور الحضارات الإنسانية بدأت تلك العلوم فى الانفصال تدريجيا عن مدار العالم الفلسفى و تصبح علوم مستقلة بذاتها, فتحولت الفلسفة مع مرور الوقت إلى مجرد تأملات فكرية و خواطر إذا أمكن قول ذلك مع تحفظ الفلاسفة الشديد على قولى هذا, و لكن إليست هذه هى الحقيقة فى أبسط صورها؟!, ما هو الدور المقدر للفلسفة أن تلعبه فى الوقت الراهن سوى إرهاق العقل البشرى فى مجموعة من التأملات و التساؤلات التى سبق و قتلت بحثاً و فكراً و إجابة عليها و ما يحدث الأن هو إعادة إنتاج لنفس القوالب الفكرية مرة أخرى, حتى أن التكرار فيها أصبح محفوظ و مستنفذ من وجهة نظرى و هذا رأى سيهاجمه أى محب للفلسفة بشدة و هذا حقه و لكنى أرى أن الفلسفة أفرغت من محتواها فى ظل تقزم دورها فى فكرة خواطر فكرية تسمى الأن فلسفة! 

فرانسيس بيكون من أشد المهاجمين للفلسفة و هو يرى أن دور الفلسفة أنتهى من خلال النهضة العلمية الواسعة التى شهدتها أوربا, و يرى أن الفلسفة ركدت ريحها فى حين أن العلم يزداد قوة و نمواً و كان على إيمان قوى بأن العلم قادر على الإجابة على كل تساؤلات البشر و أن هذا لم يعد دور الفلسفة.

و أنا أرى أن الفلسفة تحولت إلى فرع من فروع الأدب ليس ألا, مجرد مفكرة لتسجيل خواطر إنسانية حول أمور شتى فى الحياة. 

و نجد أن الفلسفة بالإضافة إلى أنها تعيد بشكل ممل الإجابة عن تساؤلات فرغ منها العلم أو سبق و إجابت عليها الفلسفة فى عقود مضت, ألا أنها بالإضافة إلى كل ما سبق وقعت فريسة لصراعات مختلقة حول فكرة التلاعب بالألفاظ و محاولة مفتعلة لخلق مفاهيم فلسفية جديدة تكون محور للجدل و النقاش لا تعود على الإنسان بأى نفع يذكر, قد يرى الكثير من المشتغلين بالفلسفة هذه السطور الأخيرة على أنها مؤشر على ضحالة ثقافية واضحة لكاتب المقال و أنا أراها برهان دامغ على خلو موضوعاتهم من أى أهمية حقيقية, الفلسفة الأن لا تساعد فى تقديم حلول لمشكلات الإنسان اليومية أو حتى على المستوى الإنسانى العالمى.

الفلسفة لا تقدم إجابات أو نتائج قائمة على البحث و التجريب و لكن قائمة على التأمل و الاستنتاج و المنطق و الرأى و الهوى و هذا لم يعد مقبولا فى العصر الحالى بأى حال من الأحوال.

لماذا لا يؤمن المشتغلين بالفلسفة أن الفلسفة أدت دورها ثم ماتت و احتضرت و ما يتم الأن هى محاولات سخيفة لإحيائها و إعادة بعثها, فهى أصبحت حالياً جسد بلا روح بل تحولت من وجهة نظرى إلى مسخ يعملون جاهدين على إخضاعه للمئات من عمليات التجميل الجراحية ظناً منهم أن الفلسفة من الممكن أن ترجع مرة أخرى لها أهمية كما كانت منذ قرون ولت.

الفلسفة فعليا ميتة إكيلانيكيا و يجب نزع كل أنابيب الحياة التى تحاول أن تحافظ على هذا الجسد من العفن الذى سيصيبها فور نزع هذه الأنابيب عنها, يجب أن ترتاح الفلسفة و تذهب إلى مقبرتها فى احتفال يليق بها و لا تطل علينا برأسها مرة أخرى لأنها ستكون إطلالة بلا جدوى لأنى كما أرى أن الفلاسفة هم الوحيدين المشتغلين حاليا و المهتمين فقط بالشأن الفلسفى و العالم كله قد انصرف عنهم و لن ينظر ورائه مرة أخرى على ما أظن, الفلسفة تحولت إلى مجرد تراث فكرى مثل غيره من أرث إنسانى فكرى طويل ممتد, يمكن أن نقرأه من باب الثقافة و التعرف على نتاج فكرى سابق و لكن محاولة بعثه و البحث عن أهمية وهمية له يشوه من هذا النتاج الفكرى الذى كان له أهمية يوما ما لم تعد موجودة حاليا بأى حال من الأحوال.

مقالات أدبية: انفصال الكاتب عن القارىء بقلم / مروان محمد

كاتب القصة أو الرواية عندما يشرع فى كتابة عمله الأدبى هل يضع فى حساباته القارىء؟, سؤال مهم يحتاج إلى أن نبحث عن إجابة واضحة عنه, هل شعار مثل الفن من أجل الفن شعار واقعى أم هو مثالية مبتذلة؟, إلى من يتوجه الكاتب بكتاباته؟, هل يخاطب جمهور القراء أم هو يكتب لنفسه؟, هل يقدح فى قيمة العمل الأدبى أن يتجاوب الكاتب مع طموحات و رغبات القارىء؟, إليس هناك خلط واضح بين العمل الفنى التجارى و العمل الفنى الذى يخاطب الجمهور الواقعى و ليس الجمهور المتخيل فى ذهن الكاتب؟

ما أطرحه فى هذا المقال ليس جديداً, و كثر الكلام حول هذه الأسئلة و أكثر منها و لازالت هذه الأسئلة مطروحة و الكثيرون ملوا من محاولة الإجابة عليها و البعض يبحث عن مناطق رمادية للوصول إلى أفضل الإجابات التوفيقية.

هناك أمثلة كثيرة من الروايات التى تصدر فى هذه السنوات الأخيرة و هذه الأيام و القصص القصيرة تعبر عن فكرة أنفصال الكاتب عن عالم الواقع و أنه يجنح إلى أن يخاطب نفسه فى أعماله الأدبية و لا يهتم بجمهور القراء.

الوقت الراهن و العصر الذى نحياه اليوم يتطلب أى نوع من الكتابات, بمعنى أكثر وضوحاً, هل يكفى أن يسبح الكاتب فى خيالاته و ينزلها على الورق ليقرأها الناس أم أن الكاتب اليوم عليه أن يحدث من أدواته ليقدم رواية أو قصة بذل فيها الكثير من البحث و المعلوماتية لأن هذا النوع من الروايات هو الأقرب الأن إلى رغبات القارىء. 

لنكن واضحين أكثر فى محاولة الإجابة عن هذه الجزئية تحديداً, فى رأى لم يعد كافياً أبداً أن يكتفى الكاتب بإفراغ خيالاته على الورق و حسبه ذلك, و لكن فن صناعة الرواية أو القصة هذه الأيام يتطلب منه أن يملاء روايته أو عمله الأدبى بالكثير من المعلومات المثيرة و المدققة, أن يصنع عمل أدبى كامل قائم على بحث علمى منهجى.

على سبيل المثال رواية النبطى ليوسف زيدان, ما الذى جعل هذه الرواية مميزة إلى حد كبير؟, هل طبيعة الأحداث التى يسردها الكاتب أم البيئة المعلوماتية الغنية لعصر من العصور لا نعرف عنه الكثير و قد ضخ من خلال عمله الأدبى الكثير من المعلومات التاريخية المثيرة المتعطش إليها القارىء و ذلك الذى وضعها فى هذه المكانة المميزة.

روايات أحمد مراد على الرغم من فقرها الأدبى من وجهة نظرى ألا أنها غنية بمناطق مثيرة للجدل و لشغف القارىء و أكثر ما يميزها أنها تعتمد على البحث و دقة المعلومات التى لا تحاول أن تخدع القارىء بخيالات الكاتب و لكنها تصوغ له صور حياتية غريبة عن القارىء و فى نفس الوقت حقيقية جداً و غير مخادعة, أليست هذه براعة تحتسب لصاحب العمل الأدبى و هذا ما يتطلبه سوق الأدب الأن؟!

هل يجوز أن ننظر إلى الأدب باعتباره منتج استهلاكى يجب أن يدعمه الكاتب بجودة من نوع مميز حتى تلقى الرواج فى السوق الاستهلاكى بشكل عام؟, هل من العيب النظر إلى الأدب من هذا المنظور؟

لا أتصور أن كل ذلك من الممكن أن يسىء للأدب و أن الذين ينفرون مما أقوله الأن و ذلك لأنهم يخلطون بين الاستهلاك التجارى القمىء و بين الاستهلاك التجارى الاحترافى, و يجعلون الأدب الاحترافى مرادف للتجارة المبتذلة لقيمة فنية فتفسد هذه القيمة الفنية.

إذن الإشكالية الحقيقية ليست فى الوصف الذى نحن بصدده و لكن فى بعض الأراء التى تصور هذه الأوصاف على أنها قيم سلبية يجب على أى مشتغل بالعمل الأدبى أن يتخلص منها و ألا ستتلوث قدسية عمله الأدبى.

هذه التابوهات و الإشكاليات الخزعبلاية التى وضعها هؤلاء هى التى افترضت ذلك الصراع الوهمى الذى لا أساس له من الصحة و فسرت الكثير من الأمور على نحو سلبى.

فبالتالى النظر إلى المنتج الأدبى باعتباره سلعة استهلاكية ليس عيباً فى ذاته و لكن العيب فى المحتوى الأدبى الذى قد لا يحمل أى مضمون أو قيمة فنية حقيقية تجعل شروط العمل الأدبى الجيد تنطبق عليه.

إذن مثل تلك الشروط و القيود السخيفة التى يضعها البعض هى التى أوقعتنا فى هذه الإشكالية الوهمية, علينا أن نتخلص من هذه القوانين الهزلية التى وضعها البعض و أصبحت مثل عقيدة راسخة لا يجب أن نحيد عنها.

فكر كهنوتى بحت سلطوى استطاع أن يحصر الأدب فى شكل معين لا يجوز الخروج عليه و ألا لاحقت اللعنات من خرج عن هذه القوانين ضيقة الأفق, أن الأدب صناعة احترافية و هى لا تنبع من داخل الكاتب لترتد إلى داخله مرة أخرى, لم يكن الأدب يوما ليخاطب الأديب نفسه فقط و لكنها لمخاطبة الطرف الآخر المنتظر على الرصيف المقابل يطلب منك منتجات أدبية تشبع رغباته الأدبية الملحة.

قرأت مؤخراً العديد من الأعمال الأدبية التى أرى فيها انفصال جذرى بين الكاتب و بين القارىء, و كأن كاتب هذا العمل قصد أن يكتب هذا العمل من أجل استمتاعه الشخصى فقط بصرف النظر عن البيئة المحيطة به و إن حاول من هم على شاكلتى الاعتراض على هذا النوع من الفكر المبتذل يتم قذفه بقوائم اتهام مجهزة مسبقا تخرجك من جنة الأدب التى افترضوها لأنفسهم.

انصراف القارىء عن قراءة الأعمال الأدبية ليست فقط لغلو سعر الكتاب أو ندرته أو غياب ثقافة القراءة فى مجتمعنا العربى و لكن أيضا لانصراف الكاتب عن معالجة الحياة اليومية للقارىء أو على أقل تقدير طرحها على أوراقه الخاصة ليعلن تضامنه مع القارىء و أنه يشاركه نفس مشاكل الحياة اليومية و أنه يرسل له رسالة أننى أعى ما تمر به لأنى أمر به مثلك و أشاطرك نفس الهموم و الأحزان الجمعية.

فبالتالى يجد القارىء نفسه متورطا مع كاتب يخاطب نفسه فقط و يترفع عن أن يناقش الهموم اليومية للقارىء العادى لأنها من الممكن أن تبعد الأدب عن قدسيته التى صنعوها بقوانينهم الهزلية فبالتالى يكون عقاب القارىء حاضراً و هو أنصرافه عن أعمال هذا الأديب أو إعلان ثورته على الجنس الأدبى كله بشكل عام, إعلان صريح من القارىء أمام كل الكتاب أن أعمالكم الأدبية لا تعبر عنا.

هناك من يربط بين من يحاول أن يتناول الوقائع اليومية لحياة المواطن أو الهموم العامة للوطن فى عمله الأدبى و بين أن ذلك مؤشر على فقره الأدبى و وقتية عمله الأدبى و أنه حجم عمله الأدبى زمنياً فى حقبة معينة بمجرد تجاوز هذه الحقبة الزمنية سيحترق هذا العمل الأدبى فبالتالى يجب أن يرتقى العمل الأدبى عن تناول هذه الأمور التافهة من شئون الحياة و يرتفع إلى مناقشة أفكار سامية كما يحبوا أن يطلقوا عليها ليعيش هذا العمل إلى الأبد و تقرأه الأجيال الحالية و القادمة.

هذه أفكار هزلية كلاسيكية من المخجل أن يتم تداولها إلى اليوم فى الصالونات الأدبية, و لكن للأسف يتم تناولها بكثرة و ينظر إلى من يخالفها بالكثير من الاستهجان و التكبر.

أما أن يعيد الكاتب و الأديب ربط نفسه بالعالم الواقعى للقارىء و أن يقدم له عمل أدبى يتم التخديم عليه معلوماتياً و يقوم على البحث المنهجى كأنه يقدم ورقة بحث علمية و ليس فقط عمل أدبى ليستطيع استقطاب القارىء مرة أخرى أو ينزوى بأدبه فى بركة النسيان و لا يتساءل بعد ذلك أين جمهور القراء؟, فأنت من صرفت جمهور القراء عنك بغرورك الأدبى و ترفعك عن أن تتشارك مع القارىء أحلامه البسيطة و همومه اليومية.



شخصيات: بيل جيتس و قصة نجاح بقلم/ مروان محمد

بيل جيتس أغنى أغنياء العالم و صاحب أحد أكبر الشركات على مستوى العالم (مايكروسوفت) هو وليام هنري غيتس الثالث المشهور ببيل غيتس، رجل أعمال ومبرمج أمريكي. أسس عام 1975 شركة مايكروسوفت مع بول آلان, ولد بيل في سياتل، واشنطن في 28 أكتوبر 1955, و من تتبع السيرة الذاتية لبيل جيتس نجد أن تكوينه الشخصى الفذ و لفهم أيضا القفزة التكنولوجية العملاقة التى قام بها فى مجال البرمجيات و كيف أصبح أغنى أغنياء العالم يجب تسليط الأضواء أولاً على تاريخ عائلته التى نشأ بيل فيها لأنها ستلقى الضوء على الكثير من الأسباب التى أفضت إلى ما أصبح عليه بيل غيتس اليوم, نشأ بيل في عائلة ذات تاريخ طويل بالاشتغال في السياسة والخدمة الاجتماعية. عمل والد جده محافظاً وعضواً في الهيئة التشريعية للولاية، وعمل جده نائباً ًلرئيس بنك وطني، وكان والده محامياً بارزاً. كما شغلت والدته منصباً إدارياً في جامعة واشنطن، وكانت عضواً بارزاً في مجالس لمنظمات محلية وبنوك.

شغف بيل جيتس بالحاسوب لم يكن محض صدفة و لكن كانت جذوره الأولى فى مدرسة لايك سايد حيث قررت المدرسة في العام 1968م شراء جهاز حاسوب لتعريف طلابها بعالم الحاسبات، وكانت أجهزة الحاسوب في ذلك الوقت كبيرة الحجم و ذات كلفة عالية جداً، ولم تتمكن المدرسة من تحمل نفقات شراء جهاز حاسوب، من أجل ذلك قررت المدرسة شراء حسابات محددة بمدة زمنية للاستخدام ، مقدمة من شركة جينيرال إلكتريك. ونظم مجلس الأمهات في المدرسة حملة تبرعات تم من خلالها جمع بضعة آلاف من الدولارات لتحمل النفقات.

ومنذ تلك اللحظة أصبح بيل مهتماً بالحاسوب- وكان وقتها طالباً في الصف الثامن, أمضى غالبية وقته في غرفة الحاسوب في المدرسة منشغلاً بكتابة البرامج وتطبيقها للدرجة التى جعلته يهمل واجباته بالإضافة إلى أنه تغيب عن صفوفه الدراسية في بعض الأحيان. وفي هذه الغرفة تعرف بيل على بول آلن، طالب آخر يتقاسم معه الاهتمام بالحواسيب، وخلال وقت قصير نمت بينهما صداقة قوية استمرت لسنوات عديدة. و سرعان ما انتهت الفترة الزمنية المحددة لاستخدام الحاسابات ولم يتمكن مجلس الأمهات من تحمل أي نفقات إضافية، مما دفعهم للتفكير في مصدر آخر يوفر لهم حاسباتٍ مجانية وبزمن غير محدود.

أتفقت المدرسة لاحقاً فى نفس العام مع شركة أخرى تعرف باسم Computer Center Corporation - CCC لتزويد الطلبة بمزيد من الزمن المخصص على الحاسوب، وكان نظام هذه الشركة يعمل على جهاز حاسوب من نوع(PDP-10)، وأقبل بيل وبقية الطلاب على هذا الحاسوب بشغف وكانوا فضوليين تجاه نظامه، لم يمر وقت طويل حتى تعرض نظام تشغيل الحاسوب التابع للشركة للكثير من الأعطال و ذلك لأن الطلبة تمكنوا من كسر نظام الحماية على الحاسوب، كما قاموا بتعديل ملفات الحسابات الخاصة بهم للحصول على مدة زمنية أطول لاستخدام الحاسوب، مما دفع الشركة لحرمانهم من استخدام النظام لعدة أسابيع.

بعد انتهاء مدة الحرمان توجه أربعة من طلاب المدرسة: (بيل غايتس، بول آلن، ريك ويلاند ، وكنت إيفانس إلى شركة CCC، وقدموا عرضاً يقتضي بأن يساعدوا الشركة لإيجاد أخطاء النظام والتي سببت الخروقات التي قام بها الطلاب مقابل أن تمنحهم الشركة زمناً مجانياً وغير محدود لاستخدام النظام. وبما أن الشركة قد ملت من تعطل النظام عدة مرات فقد وافقت على العرض المقدم من الطلبة الأربعة.

شكل الطلاب الأربعة مجموعة أطلقوا عليها أسم: مبرمجوا لايك سايد (Lakeside Programming Group). وأتاحت هذه الفرصة للمجموعة إمكانية دراسة برامج النظام، واكتسبوا خبرة برمجية واسعة في لغات برمجة كانت شائعة في ذلك الوقت مثل بيسك (BASIC)، فورتران (FORTRAN)، ليسب (LISP)، وحتى لغة الآلة (Machine Language) كما قاموا بإنتاج بعض برامج الألعاب.

هذه الأحداث هى التى استطاعت أن تشكل عبقرية بيل جيتس البرمجية و التى غيرت طريقة تعامل المستخدم العادى مع الحاسوب إلى الأبد حتى وصلت إلى أنها انتجت برنامج تشغيل الحاسوب يوندوز 95 و الذى يمثل قفزة عملاقة فى علاقة المستخدم العادى بالحاسوب, حتى وصلت شركة مايكرسوفت إلى ما وصلت إليه اليوم فى عالم البرمجيات.

في العام 1970م واجهت شركة CCC مشاكل مالية مما دفعها للإغلاق. وبدأت المجموعة من جديد بالبحث عن من يمنحها فرصة لاستخدام الحاسوب، فوفر لهم والد بول آلن فرصة لاستخدام بعض حواسيب جامعة واشنطن حيث كان يعمل, وبعد عام واحد طلبت شركة Information Sciences Inc من المجموعة كتابة برنامج يحسب رواتب موظفي الشركة باستخدام لغة البرمجة كوبول (COBOL) ولأول مرة حصل الطلاب على ربح مادي. وبالإضافة لذلك منحت المجموعة حقوقاً للملكية على برامجها.

فيما بعد تبلور مشروع بيل وبول آلن و هو إنشاء شركة صغيرة خاصة بهما فقط أسمياها (Traf-O-Data)، وقاما بتصميم جهاز حاسوب صغير يهدف لقياس حركة المرور في الشوارع، وأستخدما في تصميمه معالج إنتل 8008. حققت هذه الشركة الصغيرة ربحاً مقداره 20000 دولار أمريكي في عامها الأول، وكان بيل وقتها في المرحلة الثانوية، وأستمرت الشركة في العمل حتى دخول بيل الجامعة.

في العام 1973م ألتحق بيل بجامعة هارفارد، و الغريب أنه التحق بمدرسة الحقوق التمهيدية ، و لكن لم ينقطع شغفه و حبه للحاسوب؛ فكان يقضي الليل ساهراًً أمام الحاسوب في مختبرات الجامعة ومن ثم يقضي النهار نائماً في الصفوف الدراسية, كان صديقه بول آلن قد التحق بجامعة هارفارد أيضاً، وكانا يتقابلان بشكل مستمر ويتابعان التفكير والحلم بمشاريع مستقبلية لتطوير البرمجيات ونظم التشغيل.

نقطة التحول فى حياة بيل غيتس و آلن بول بدأت في شهر ديسمبر من العام 1974م، وبينما كان بول آلن متوجهاً لزيارة صديقه بيل توقف أمام متجر صغير ليطلع على بعض المجلات، فوقع نظره على مجلة (Popular Electronics) حيث ظهر على غلافها صورة لحاسوب " Altair 8800"، مرفق به عنوان: " أوّل حاسوب ميكروي مخصّص للأغراض التجارية"، فاشترى بول المجلّة و ذهب لرؤية بيل ليتناقشا حول هذا الحاسوب و قد أدركا أن هذه فرصتهما ليحققا نقلة نوعية أخرى فى علاقتهما بمشاريعهم البرمجية المستقبلية و خلال أيام اتصل بيل بشركة ميتس الشركة المنتجة للحاسوب " Altair 8800"، وأخبرهم أنه قد طور هو وزميله بول آلن برنامج للحاسوب مكتوباً بلغة البرمجة بيسك "Altair BASIC - interpreter ".

و الطريف فى الأمر أن بيل وآلن لم يكتبا سطراً برمجياً واحداً لهذا الحاسوب ولم يشاهداه إلاّ في صور المجلة فقط ولم يمتلكا حتى معالج إنتل 8080 الذي يعمل عليه الحاسوب، لكن الشركة وافقت على مقابلتهما وتجريب النظام الجديد مما دفعهما للبدء بالعمل وبسرعة على كتابة البرنامج. كانت عملية كتابة البرنامج مسؤولية بيل غايتس، بينما بدأ بول آلن العمل على إيجاد طريقة لعمل محاكاة للحاسوب "Altair 8800" على أجهزة حاسوب" PDP-10 " المتوفرة في الحرم الجامعي لتجريب البرنامج عليه. وبعد مرور ثمانية أسابيع من العمل المستمرّ ، أصبح البرنامج جاهزاً، فاستقلّ بول آلن الطائرة متوجهاً إلى شركة ميتس لعرض البرنامج.

في اجتماع عقد في شركة ميتس وبحضور رئيس الشركة إد روبرت حمّل بول البرنامج على الحاسوب "Altair 8800"، وبدأت عملية تشغيل البرنامج الحقيقية لأوّل مرّة. و المذهل أن البرنامج عمل بكل سلاسة ودون أية أخطاء.

تعاقدت شركة ميتس مباشرة مع كل من بيل وبول لشراء حقوق الملكية للبرنامج، وعين بول آلن نائباً لرئيس قسم البرمجيات في الشركة. وبالمقابل ترك بيل جامعة هارفارد وأنتقل للعمل مع بول في تطوير البرمجيات.

في منتصف العام 1975م، وبعد النجاح الملفت للأنظار الذي حققه كل من بيل غايتس وبول آلان مع شركة ميتس، قرر الاثنان إنشاء شركة خاصة بهما لتطوير البرامج، أسمياها " Micro-Soft" وتشكل هذا الاسم من الكلمتين " Microcomputer" و"Software " امتلك بيل غايتس نسبة 60% من حجم الشركة بينما حصل بول آلان على ال40% الباقية، و كانت نسبة بيل الأكبر لأنه تفرغ للعمل فى الشركة فى حين أن بول كان ما يزال موظفاً بدوام كامل لدى شركة ميتس. 

مع نهاية عام 1976م، تم تسجيل مايكروسوفت رسمياً كشركة مستقلة، وبلغت أرباحها ما يقارب 104 ألفاً و216 دولاراً أمريكياً. واستقال بول آلن من شركة ميتس للعمل بدوام كامل لدى مايكروسوفت، واستمرت مايكروسوفت في تطوير البرامج للأنظمة المختلفة.

في العام 1980م بدأت شركة IBM العالمية مشروعاً عرف باسم مشروع مانهاتن لتصنيع حاسوب شخصي جديد عرف باسم " IBM" PC ليستخدم في المكاتب والمنازل، وكانت الشركة بحاجة لنظام تشغيل للكمبيوتر الجديد؛ لذلك قامت بالاتصال بشركة مايكروسوفت في محاولة للحصول على النظام. لكن شركة مايكروسوفت لم تكن تمتلك نظام تشغيلٍ جاهزاً في ذلك الوقت، فقامت باقتراح نظام تشغيل CP/M والذي طورته شركة "Digital Research"، وبالفعل عملت شركة IBM باقتراح بيل وتوجه مندوبون عن الشركة لمقابلة غاري كيلدال مؤسس شركة "Digital Research"، لكن شاءت الأقدار ألا يتم هذا اللقاء، فلم يكن غاري متواجداً أصلاً وقت اللقاء حيث كان قد ركب الطائرة متوجهاً لمقابلة زبون آخر

وعادت شركة IBM تطلب مساعدة بيل غايتس، وهذه المرة قرر هو أن يلبي حاجتهم ويزودهم شخصياً بنظام التشغيل المطلوب. فقام بيل غايتس وبول آلان بشراء الحقوق الكاملة لنظام التشغيل الجاهز (Quick & dirty Operating system) من المبرمج تيم باترسن والذي كان يعمل حينها في شركة سياتل لمنتجات الكمبيوتر مقابل 50000 دولار أمريكي- ولم تعلن مايكروسوفت آنذاك لشركة سياتل عن السبب الحقيقي لشراء هذا النظام- وكان هذا النظام ملائماً للعمل مع معالج إنتل المستخدم في تصنيع جهاز حاسوب " IBM PC ". وقامت مايكروسوفت بإعادة تسمية النظام مبدئياً ليصبح "PC-DOS".

في اتفاق الشّراكة الذي عقد بين مايكروسوفت و IBM، أصرّ بيل غايتس أن تكون مايكروسوفت هى المتعاقد الوحيد لتزويد شركة IBM بأنظمة التشغيل لكل الكمبيوترات الشخصية التابعة للشركة IBM. وفي المقابل، يحق لشركة مايكروسوفت الاحتفاظ بالحقوق الكاملة لتطوير وبيع نظام التشغيل الخاص بها لمن تريد من الأفراد أو الشركات في محاولة منها للهيمنة على سوق البرمجيات.

وبالفعل قامت مايكروسوفت بطرح نسخة من نظام التشغيل في السوق باسم جديد هوMS-DOS في العام 1981, و كانت من براعة بيل غيتس التسويقية أنه جعل نظام التشغيل الذى يبيعه شديد الأغراء بالنسبة للمستخدمين و ذلك لأنه يباع بسعر ثابت وللجميع دون تخصيص لهوية المشتري , ففي السابق كانت أنظمة التشغيل تباع حصرياً لشركة معينة ليتم تشغيلها على أجهزة هذه الشركة فقط دون سواها، أما مع نظام التشغيل MS-DOS فالبرمجيات أصبحت في متناول الجميع وكان بيل غايتس يهدف من خلال ذلك لبناء قاعدة هائلة من مستخدمي منتجات مايكروسوفت فيصبح بذلك المزود الرئيسي لكافة المستخدمين. وقدم المبرمج تيم باترسون استقالته من شركة سياتل لمنتجات الحاسوب ليصبح موظفاً لدى شركة مايكروسوفت.

في 12 أغسطس 1981م أعلنت شركة IBM عن الصدور الرسمي للحاسوب الشخصي IBM PC

في أعقاب هذه الأحداث نشب خلاف بين شركتي مايكروسوفت وسياتل لمنتجات الحاسوب أتُّهم فيه كل من بيل غايتس وبول آلن بالتصرف بطريقة تنافي أخلاقيات المهنة. فعندما قاما بشراء نظام التشغيل "QDOS" من شركة سياتل لم يذكرا أبداً أنهما في مفاوضات مع شركة IBM لتطوير نظام تشغيل لها. وقامت شركة سياتل برفع دعوى قضائية على شركة مايكروسوفت على أساس الاحتيال والاستغلال لاتمام صفقة رابحة من خلال إخفاء معلومات مهمة عن طبيعة العلاقة التي تربطها بشركة IBM. وانتهت هذه القضية لاحقاً من خلال إجراء تسوية مالية خارج المحكمة بين الشركتين.

و لم تكون هذه القضية الأولى التى ستخوضها شركة مايكروسوفت ضد شركات أخرى فى مجال البرمجيات, يمكن القول أن أسم شركة مايكروسوفت أرتبط إلى حد كبير بالدعاوى القضائية التى تتهم الشركة بالاحتيال و النصب و احتكار السوق مثل شركة آبل.

في نهاية عام 1982م، أصيب بول آلن بمرض هودجكين، وهو نوع من أنواع السرطان النادرة التي تصيب النظام اللمفاوي في الجسم. وعلى أثره استقال بول آلن من شركة مايكروسوفت ليتفرغ للعلاج، و ترك بول آلن مايكروسوفت للأبد، لكن ذلك لم يمنع من استمرار الصداقة التي نشأت باكراً بين رفيقي لايك سايد.

في العام 1985م انتجت مايكروسوفت النسخة الأولى من نظام تشغيل ويندوز1.0(Microsoft Windows1.0)، والذي استخدم واجهة التطبيق الرسومية (GUI) المستوحاة من نظام (Xerox PARC) بالإضافة لبعض أجزاء الواجهة المتوفرة في نظامي أبل ليزا وماك (وقد سمحت شركة أبل للحاسوب لمايكروسوفت باستخدام هذه الأجزاء بناءً على اتفاق جرى بين الشركتين). وكان هذا النظام بديلاً لنظام التشغيل MS-DOS ومنافساً لأنظمة التشغيل الأخرى المتوفرة في السوق. مكن هذا النظام الجديد المستخدمين من استخدام مؤشر الفأرة، والتنقل بين عدة نوافذ في نفس الوقت، مع احتوائه على عدة تطبيقات مثل: برنامج المفكرة ، وتقويم سنوي، وساعة، وبرنامج الآلة الحاسبة.

في عام 1987 م انتجت شركة مايكروسوفت النسخة الثانية من نظام التشغيل ويندوز2.0(Windows 2.0)، وأضافت له بعض التحسينات مثل زيادة سرعة المعالجة وزيادة حجم RAM المستخدمة. بالإضافة لدعم النوافذ بخاصية التراكب(overlapping)، والتي تعني إمكانية فتح عدة نوافذ فوق بعضها البعض.

في أعقاب صدور النسخة الثانية من ويندوز، رفعت شركة أبل للحاسوب في عام1988 م دعوى قضائية ضدّ شركة مايكروسوفت تتهمها فيها بسرقة بعض العناصر الخاصّة بواجهة التطبيق الرسومية لحاسوب أبل ماكنتوش واستخدامها في نظام التشغيل ويندوز. وفي عام 1990 م وبعدما أنتجت شركة مايكروسوفت النسخة الثالثة من نظام التشغيل ويندوز3.0 (Windows 3.0)، أضافت شركة أبل إدّعاءات إضافية بالسرقة لدعواها القضائية.

أدعت شركة أبل في دعواها القضائية أن شركة مايكروسوفت سرقت الشكل والمضمون "look and feel" لنظام تشغيل ماكينتوش، كاستخدامها بعض خواص النوافذ؛ من إمكانية فتحها على سطح المكتب وتغيير حجمها وتراكبها، وكونها مستطيلة الشكل، وتحتوي على شريط العنوان .

وبعد جدل طويل في القضية، أصر القاضي أن تقدم شركة أبل قائمة محددة بالعناصر المسروقة، فقدمت الشركة قائمة مكونة من 189 عنصراً. وبعد دراسة لهذه القائمة قرر القاضي أن 179 من هذه العناصر كان من حق شركة مايكروسوفت استخدامها بناءً على الاتفاق الذي أبرم بين الشركتين عام 1985 م، وقبل صدور النسخة الأولى من نظام التشغيل ويندوز. وأن العناصر العشر الباقية ليست ملكاً لشركة أبل كون بعضها كان مستوحا أصلاً من نظام Xerox. وبذلك خسرت أبل دعواها القضائية، بعد أربعة أعوام (أي عام 1992 م) من النقاش الساخن. يظن بعض النقاد أن شركة أبل لم تكن ترجو إدانة شركة مايكروسوفت بقدر ما كانت ترجو السيطرة على حقوق التصميم الكاملة لواجهات التطبيق الرسومية لكلّ الحواسيب الشخصية في السوق، لكنّ آمالها باءت بالفشل، ولم يثن ذلك من عزيمة شركة مايكروسوفت، بل أعطاها دفعة للأمام وشهرة إضافية، كما ساهم في نجاح الإصدار الثالث من نظام التشغيل ويندوز، حيث باعت مايكروسوفت ما يقارب 10 ملايين نسخة من هذا النظام في أول عامين، مما شرع لها أبواب السيطرة على سوق أنظمة التشغيل ليس في الولايات المتحدة فحسب بل في العالم أجمع.فأنتقلت بذلك لتصبح أكبر شركة برمجيّات في العالم، وجعلت أرباحها من بيل غايتس أغنى رجلٍ في العالم. استمرّت شركة مايكروسوفت عاماً بعد عام باصدار نسخ ناجحة من نظام التشغيل ويندوز مثل ويندوز95،ويندوز98،ويندوز2000، ويندوز إكس بي، أما بالنسبة لويندوز فيستا فلم يحظ بمثل نجاحات أشقائه.وقامت الشركة بإصدار نظام ويندوز 7 في الثاني والعشرين من أكتوبر 2009م، والانطباعات حتى الآن تشير إلى تقبل الأغلبية بشكل ممتاز للنظام.

في 18 مايو 1998م، رفعت وزارة العدل الأمريكية و20 ولاية أمريكية قضية مدنية ضدّ شركة مايكروسوفت، تتهمها فيه بالاحتكار لسوق البرمجيات في تعاطيها مع مبيعات نظام التشغيل ويندوز ومتصفح الإنترنت.Internet Explorer

بعد إصدار شركة مايكروسوفت لمتصفح الإنترنت Internet Explorer قامت بضمّه لنظام ويندوز ليباع البرنامجان معاً في قرص مدمج واحد، فوصفت المحكمة هذا الفعل بأنه تقييد (غير عادل) للتنافس بين متصفحات الإنترنت المختلفة مثل (Netscape Navigator) و(Opera) والتي لابدّ من شرائها بشكل منفصل عن نظام التشغيل، مما يعني حصول المستخدم على متصفح مجاني من مايكروسوفت، فيفضّل بذلك شراء إصدار ويندوز الذي يضمّ الإصدارين معاً على تحمّل تكلفة نظام التشغيل وتكلفة إضافية للمتصفح.

ردت مايكروسوفت بأن هذه العملية هي نتاج الابتكار والمنافسة الحرّة، وأنّ نظام التشغيل والمتصفّح يمثّلان الآن وحدة واحدة وارتباطاً لا مفرّ منه، فالمتصفح عبارة عن ميزة إضافية لنظام التشغيل (feature) وليس منتجاً منفصلاً (product)، وبإمكان المستخدم الآن الحصول على منافع المتصفح مجاناً فهي بذلك تقدّم خدمة للمشتري.

فرد الادعاء بأن المتصفح Explorer منتج منفصل عن نظام التشغيل ولا حاجة لربطهما معاً والدليل على ذلك وجود إصدار منفصل منه يباع على حدة لمستخدمي نظام تشغيل ماكنتوش (Mac OS). كما أن المتصفح ليس مجانياً فعلياً لأن تكلفة إنتاجه وتسويقه أضيفت لتكلفة نظام التشغيل ويندوز مما جعل سعره مرتفعاً.

وبعد مجموعة من التحقيقات والمداولات والجلسات أصدرت المحكمة حكماً في 3 أبريل 2000م يقضي بأن شركة مايكروسوفت شركة محتكرة ومنتهكة بفعلتها لقوانين حماية المستهلك ضد التلاعب والاحتيال، وعليه فإنّ مايكروسوفت يجب أن تنقسم لجزئين منفصلين، أحدها لإنتاج نظام التشغيل ويندوز والآخر لإنتاج الإصدارات البرمجية الأخرى لمايكروسوفت.

صعقت شركة مايكروسوفت بالحكم، واتهمت القاضي بالانحياز وعدم الموضوعية، وأن حكمه يقيد حرية المنافسة والابتكار، واستأنفت مايكروسوفت القضية في نوفمبر 2001م توصلت مايكروسوفت لتسوية مع وزارة العدل الأمريكية اقتضت بتراجع المحكمة عن قرار التقسيم مقابل قيام مايكروسوفت بالكشف عن عناصر بعض برامجها للشركات الأخرى لإتاحة الفرصة لها بإنتاج برامج منافسة، مما يمنح أسواق الحواسيب مرونة أكثر ويمنع الاحتكار. كما وجب على مايكروسوفت السماح لهيئة مستشارين مكونة من 3 أشخاص ومعينة من قبل المحكمة بالاطلاع على أنظمة مايكروسوفت وسجلاّتها وبرامجها، لمنع أية محاولات احتكارية مستقبلية. وتلتزم مايكروسوفت بهذه القيود مدّة خمس سنوات تبدأ من تاريخ توقيع التسوية.

نجت مايكروسوفت من هذه المحنة، لكنها كانت بداية توالى القضايا المرفوعة ضد شركة مايكروسوفت، فقد أنهالت على مايكروسوفت لاحقاً وابل من قضايا اتهام بالاحتكار رفعت عليها من شركات وهيئات مختلفة، كان آخرها قضية مرفوعة من قبل الاتحاد الأوروبي فى العام 2007م والتي كان من أحد نتائجها إصدار نسخ ويندوز موجهة لدول الإتحاد بدون مشغل الميديا ويندوز ميديا بلاير وذلك أيضاً لاعتبار ضم برنامج الميديا بلاير لنظام التشغيل نوع من الاحتكار.

بعيداً عن السيرة المهنية الذاتية لبيل جيتس و على صعيد حياته الشخصية تزوج بيل غايتس من ميليندا فرينش في العام 1994 وأنجبا ثلاثة أطفال هم: جينفر كاثرين (1996)، روري جون (1999)، فيبي أديل (2002). منذ عام 1996 وحتى 2006 حمل بيل غايتس لقب " أغنى رجل في العالم"، وقد تربع على العرش مرة أخرى عام 2007.

في عام 2000 أنشأ بيل وزوجته مليندا مؤسسة بيل وميلندا جيتس وهي تعنى بالأعمال الخيرية وقدمت هذه المؤسسة الكثير من الدعم المادي لمحاربة مرض الإيدز والأوبئة المتفشية في دول العالم الثالث. كما قدمت المؤسسة المساعدة للطلاب على هيئة منح دراسية، فمنحت ما يقارب 210 مليون دولار أمريكي لجامعة كامبريدج في العام2000.

حمل بيل غايتس مؤخراً اهتماماً جديداً تمثل في تحسين التعليم في المدارس الحكومية الأمريكية. وظهر في عدة مناسبات وبرامج شهيرة (مثل برنامج أوبرا وينفري) في محاولة منه لتسليط الضوء على مشكلة ضعف التحصيل الأكاديمي لطلاب المدارس الحكومية وبذل الجهود لحلها.

حصل بيل غايتس على 4 شهادات دكتوراه فخرية، كان أوّلها من جامعة الأعمال في هولندا عام 2000، والثانية من المعهد الملكي للتكنولوجيا في السويد عام 2002م، والثالثة من جامعة واسيدا في اليابان عام 2005، والأخيرة من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2007.

كما حصل بيل غايتس في عام 2005 أيضاً على لقب فارس من ملكة بريطانيا الملكة إليزابيث الثانية, عاد بيل غايتس وحصل أخيراً (في العام 2007) وبعد مرور 30 عاماً على تركه مقاعد الدراسة على شهادة جامعية في الحقوق من جامعة هارفارد. وفي الخطاب الذي ألقاه بيل أمام الخريجين في حفل التخرّج قال مازحاً: " أخيراً، سأستطيع أضافة درجة جامعية إلى سيرتي الذاتية ". كما وجّه كلامه لوالده قائلاً: أبي، لقد قلت لك أننّي سأعود وسأحصل على شهادتي الجامعية في أحد الأيام !

تم الاعتماد على ويكبيديا كمصدر للمعلومات