سجل إعجابك بصفحتنا على الفيس بوك لتصلك جميع مقالاتنا

بحث فى الموضوعات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات نثر شعر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات نثر شعر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 مارس 2015

دراسات: نثر - شعر: قراءة نقدية في المسرحية المونودرامية "ياراجويا " بقلم/ هايل علي المذابي - اليمن

strings1983@gmail.com

======

لعل أجمل تسطير لهذه القراءة هو استحضار مقطع للشاعر محمود درويش من آخر قصيدة له " لاعب النرد " إذ يقول :

أدرب قلبي على الحب ،

ليتسع الورد والشوك

وأنا من أنا الآن إلا إذا التقت الاثنتان

أنا وأنا الأنثوية .. "

تطالعنا ثيمة المرآة كأول شيء نجده في مونودراما " يارا جويا " للكاتب المسرحي عادل البطوسي، والمرآة رمز يحيل إلى إنقسام الوعي على ذاته إلى نصفين ويتسع أكثر من خلال المشهد التي تطالعنا به المسرحية المونودرامية إلى أكثر من ذلك فنجد يارا من خلال هذا الحديث مع المرآة تؤكد فكرة الثنائية الجنسية للإنسان ومبدأي التعلل والإنتقال ومؤداها بحسب عالم النفس النرويجي "كارل يونج " أن هناك رجل داخل كل أنثى وأنثى داخل كل رجل وهو ذاته قول درويش الذي سطرنا به القراءة " انا وأنا الأنثوية " فتصبح الأنيما التي تسكن الرجل والأنيموس التي تسكن المرأة وإشباعهما هما مايحققان للإنسان التوازن في نفسه وفي واقعه وعليه فإن الصراع بحسب المسرحية وبحسب يونج بين الرجل والمرأة هو صراع عقيم لايولِّد إلا المزيد من التردي والنكوص في المجتمعات كفكرة عامة تؤكدها المسرحية في بنائها وسياقها العام، وهذا يؤكد لنا علة تسمية الكاتب البطوسي لمسرحيته ووصفه لها بالمونودراما المزدوجة، بمعنى أن بنائها كما يبدو لي - على الأقل - بوعي وبدون وعي كان على هذا الأساس وبناءا على مبدأي التعلل والإنتقال بين شخصية يارا وجويا اللذين كما يظهر في نهاية المسرحية ليسا سوى شخص واحد هو "جويا" الذي تسكنه الأنثى لكن توظيف هذه النظريات في المسرحية كان بطريقة مابعد حداثية.

الأمر ذاته تطرقت إليه الناقدة القديرة والأستاذة الجامعية لارا حتّي وأوردته في بعض صفحات المسرحية المونودرامية بطريقة ممهدة وهو أن تعدد الموضوعات في مسرحية البطوسي سمة من سمات المونودراما الحداثية ومابعدها، ولابأس أن نتفق على رأي الناقدة حّتي وهي المتخصصة في شئون دراما ومونودراما مابعد الحداثة، للإنتقال من ثمّ إلى أمور أخرى تهتم بموضوعية المسرحية بعيدا عن بنائها والمدرسة التي ينتمي إليها، فنجد في موضع آخر أن البطوسي يجسد مأساة هاملت رائعة شكسبير في شخصية جويا كإمتداد للمأساة في مسرحية " هاملت " لشكسبير، مثلما فعل ذلك الكاتب المسرحي الكبير علي أحمد باكثير في مسرحيته "شايلوك الجديد" فكانت إمتدادا لمسرحية شكسبير " تاجر البندقية " وإظهارا وقولا لما لم يقال حينها أو يظهر في زمن شكسبير وعلى لسانه، والبطوسي يفعل ذلك فتتضح لنا من قسمات الأمر ما خفي عن شكسبير مثلا في رائعته مأساة هاملت كأن هاملت مثلا كان يعاني حقا من عقدة أوديب أو كما تظهر مسرحية البطوسي عن جويا على الأقل وهذه إمتدادات مشروعة في الكتابة الحداثية ومابعدها.

ثم نجد ثيمة أخرى يتكشف من خلالها نوعية الصراع الدائر في المسرحية وكذلك البناء العام لمجمل المونودراما " يارا جويا " وهي ثيمة التمثال الذي يصنعه جويا وهذا استعارة لهيكل اسطوري واضحة تستحضر لنا أسطورة بجماليون الذي صنع تمثالا ثم عشقه فكان ذلك التمثال الذي صنعه جويا ليارا أولا ثم عشقه تأكيدا لهذه العقدة عقدة "بجماليون " وقد تناولها الكثير من الكتاب المسرحيين العالميين ولكن استعارتها في المونودراما "يارا جويا" من قبل البطوسي كان بطريقة حداثية شأنها في ذلك شأن باقي استعاراته.

وختاما أقول أن مسرحية البطوسي المونودرامية " يارا جويا " إن لم تكن قد حققت ريادة في إزدواجيتها كما يزعم عنها كاتبها فإنها قد حققت بالفعل قفزة كبيرة في فن كتابة المونودراما مابعد الحداثية، واستطاع البطوسي أن يجد لنفسه بهذه المسرحية مكانا سامقا وراقيا يضعه في مصاف أهم ماوصلت إليه المونودراما في العالم بعصرها الحديث والقديم.

السبت، 20 ديسمبر 2014

دراسات: نثر - شعر: من حكايات الليلة الثانية بعد الألف / الظهور الأخير لأبي نؤاس البغدادي بقلم/ دينا نبيل

تتميز هذه القصة عند النظر إلى الطابع المسيطر عليها بالانتماء المكاني القوي الظاهر في كل مقطع بها .. إنه يمكن القول ببساطة أنها قصة ذات سمة عراقية بكل ما تحمله الكلمة من معان، فيلاحظ المتلقي ان أحداث هذه القصة تدور في العاصمة العراقية العريقة – بغداد ، وما أن يبدأ المتلقي بالقراءة وسط الجو الغريب الذي يزج به زجا لمواصلة القراءة محاولا التعرف على ما الذي يجري في بداية القصة حتى يفاجأ ببعض الأسماء العراقية الشهيرة في التاريخ العباسي ،مثل : أبي نؤاس الشاعر البغداداي العباسي ، وأبي جعفر المنصور الخليفة العباسي المؤسس لمدينة بغداد ، ويفاجأ بهذا الحوار الغريب بين الشخصيتين رغم عدم إلتقائهما في الواقع.

وغير هذه الأحداث وهذه الأسماء ، يجد المتلقي بعض الأسماء من الأساطير العراقية القديمة :

" (( إذا كنت قد وجدت تمثال رأسي مهشما ً ، فأبحث عن الفأس التي غرسها كلكامش في عنق خمبابا وحش غابة الأرز ، قبل أن يُفتَح َ باب ٌ من أبواب الجحيم ويُنزل على هذه الأرض وحشا ً أعتى منه ، أو من ثور عشتار المجنح ، أو من كلب مردوخ الأعور ذي الرؤوس الثلاثة ، حارس بوابات الجحيم .. لا تتوجل " .. ف ( كلكامش – خمبابا – غابة الأرز – عشتار – الثور المجنح – كلب مردوخ ) كلها أسماء مرتبطة بالأساطير القديمة مما قد يشي لدى المتلقي بوجود جو من المستحيلات كالذي تدور حوله القصة .. العودة والتنقل في الزمن وكلام التماثيل وفكرة الشجرة الخبيثة وبذورها

وبالنظر إلى هاتين الحقبتين المتباعدتين ( الأساطير - التاريخ العباسي ) يدرك المتلقي بسهولة أن ثمة رجوع إلى الأصل والمجد العريق سيتم تناوله في الطريق ولكن تبدأ هذه الفكرة تتكسر وتتناثر على جنبات الرصيف جنبا إلى جنب مع تمثال أبي جعفر المنصور المهشم في فبراير 2003 - عام الغزو الأمريكي للعراق

وبالتالي يلاحظ أن الكاتب قد استطاع في هذه القصة ربط أزمنة وأحقاب مختلفة ( ماض أسطوري سحيق – ماض تاريخي عباسي – حاضر أليم يتنبأ به قديما ) في سياق سردي واحد يتماوج بين الاسترجاع والاستباق تبعا لإسلوب الرواية المستخدم ولا شك أن تقنيات الحلم والمونولوج الداخلي وما له من انعكاسات نفسية للشخصية الرئيسة بالقصة – أبي نؤاس كان من عوامل تميز هذا الجانب من القصة على غيره من الجوانب وعكسها للفكرة المهيمنة في هذه السردية .. وهذا ما سيتم تناوله في هذا المقال .

الرؤية الروائية ( وجهة النظر – أسلوب السرد ) :

" صمت ثقيل جاثم على جنبات الرصيف ، والطريق الأسفلتي المتهدل وسط بقايا تمثال تهشمت ملامحه ، جسده يتفصد عرقا ً .. سأجف حتما ً قبل وصولي.. اعتصر واجهة عمامته ليمسح عرقا ً ضايق رؤيته وعاد ليتطلع إلى الملامح المبعثرة عند نهاية الرصيف المهروس"

يلاحظ المتلقي هنا امتزاج كلام الراوي بكلام الشخصية الرئيسة بالقصة في عبارة واحدة ، ويسمى هذا بالأسلوب الحر الغير مباشر فيبدأ النص بالراوي يصف المشهد المكاني ثم تتغير نغمة الكلام فجأة لتدخل الشخصية الرئيسة في المشهد ثم العودة مجددا للراوي ليصف حال هذه الشخصية . ومما هو جدير بالذكر أن الشخصية الرئيسة – أبا نؤاس البغدادي لم يتعرض الكاتب لاسمه بالذكر منذ البداية .. فيظل المتلقي يفكر في ماهية تلك الشخصية التي ألفت منادمة الرشيد واشتهرت بالخلاعة والمجون في الشعر إلى ان يتعرف عليها صراحة بعد ما يقرب من نصف القصة .

ثم ما يلبث أن يعود أسلوب الرواية إلى " الراوي العليم " الذي يتعامل مع الشخصيات كما لو كانت شديدة الشفافية ، ينطلق حرا بلا قيود فيشق صدور الشخصيات ويغوص بداخلها ويطلق الأحكام

".. ذكريات بريئة تتواثب لتنقض على ما بقي في جسده المتعب.. كان يبكي عندما كانت تحكي له قصة لسعتها من قبل عقرب غادر .. لكنه كبر ولا يدري كيف انتقل سم الخوف من مرحلة الطفولة حتى مرحلة النضج."

فهو يعرّف بالشخصية الرئيسة بالقصة فيذكر إحدى الخبرات الشعورية التي اكتسبها أبو نؤاس في حياته ( قصة لدغة العقرب ) وكيف تحولت إلى لاشعورية بسبب عوامل الكبت والنسيان فتتجمع في اللاشعور الشخصي مكونةالعقد ، فها هو ينتفض لمجرد إحساسه بحركة حسيسة تشبه حركة العقرب في خفتها والموت في خفائها ..

ثم ينتقل الكاتب إلى الاسلوب الغير مباشر عن طريق نقل الراوي الكلام المقول بعبارة سردية ليس بها علامة ترقيم ( : ) قبل قليل كان برفقة وزير الديوان ، وأخبرهأن نديمه الرشيد سعيد بصحبته ، وأنه سيسر إليهبشيء لن ينساه طيلة حياته المقبلة .."

ويبدأ السرد في شكل تيار من الوعي بالعودة إلى أحداث قديمة فيما يعرف بالاسترجاع على لسان الراوي والذي يشبه الفلاش باك ( Flash back ) بالسينما فيبدأ يرجع بالزمن لأحداث من الماضي فيتذكر أبو نؤاس مشاهد من طفولته في الكُتّاب وتعنيف شيخه له على إضاعة الحبر وتذكره أيضا لوالده وهو يعمل في الحقل بالفأس

يتلازم ذلك مع عودة تفكير أبي نؤاس إلى الحاضر ليلاحظ التمثال المهشم على جنبات الرصيف ويبدأ في المونولوج وهو حديث الشخصية لنفسها:

.. يالحظك العاثر يا أبا علي، لم تفترش يوما ً وسادة الفرح إلا وداهتمها دموع الكوابيس ، فما شأنك و تلك العربة المذهبة وبما تصطبغ به من ألوان قاحلة ..."

هذا التذبذب في الإحساس بالزمن يعكس مدى لعب الذاكرة الإنسانية في تهميش بعض الأحداث وتضخيم البعض الآخر .. وهو يعكس الحالة النفسية لأبي نواس الذي خرج فجأة من داره ووجد كل شيء حوله قد تغير تماما

تستطيع هذه الأداة الكشف عن أغوار الشخصية خاصة وإن كانت منعزلة أو كشخصية أبي نؤاس قد عرف عنها الخلاعة والمجون لكن كانت تبطن في طياتها شخصية زاهدة تنعى ذنوبها"

أكنت تظن وأنت تتفاجأ برؤية اسمك محفورا ً على حافة التمثال المقصوف ، أنك ستكون شخصاً مرموقا ً في المستقبل

وبعدها تكون العودة النهائية للراوي العليم ... وتكمن أهمية عملية سبر الأغوار هذه في التمهيد لمعرفة ردود فعل تلك الشخصية أمام الحدث الرئيس بالقصة - التقاط الفأس لتحطيم الشجرة الخبيثة التي سيبذرها المغول الجدد

فمنذ البداية .. تتردد كلمة ( الفأس – اجلب الفأس ) متقطعة حتى سمعها مكتملة تهزه كيانه وتصم أذنيه عندها توقف عن الاسترجاع والمونولوج وانتبه إلى تمثال أبي جعفر المنصور الذي يكلمه ويلومه على استهتاره ويطالبه بجلب الفأس لقطع الشجرة ذات البذور " ... بذور الشعوبية التي وصمت بها بعد موتك ، وبذور الاباحية والزندقة .. لقد جاء العابرون من وراء الشفق ليعيدوا احياءها ويغذونها بكل ما اعتمل في جوارحهم ، من كراهية وحقد ، حتى يَسِموا أولاد هذه الأرض بأختام النخاسة على جباههم بحجة أنها (( حرية لديمقراطية موعودة ))"

ويبدأ ظهور ذلك الجانب من التخبط في شخصية أبي نؤاس فلا يدري أين هو الفأس ولا يفهم كلام الناس حوله ولا أدواتهم ولا مركباتهم ( الدبابات ) فيكون أشبه بالتائه ، لكن ينشغل عقله بأمر جاريته الحبلى وتبدأ الأحداث تبدو شبه مبتورة

لتجيء رواية تكملة النص - في النصف الثاني -على لسان شهرزاد والتي تدعم العنوان " من حكايات الليلة الثانية بعد الألف " إنها قصة لم ترو من قبل فالمعروف عن الكتاب أنه " ألف ليلة وليلة " لكن هذه قصة لم ترو من قبل

وبقراءة هذا الجزء تتكشف خبايا النص ، فيظهر ان الجزء الأول من النص ما هو إلا ...

"- { بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد } أن أبا نؤاس الشاعر رأى في منامه أنه واقف بجانب عربة مكتوب عليها لافتة (( كليري )) القدر، وأطلع على لوحة في الغيب لبغداد ..درة المنصور وجوهرة الرشيد مكتوب عليها غورنيكا بغدادية ولاحظ مافيها من تفاصيل مؤلمة وألوان غامقة فقام مفزوعا ً وشرع يلبس ثيابه ... "

فما قد رآه أبو نواس في الجزء الأول من النص هو كابوس أطلع فيه على مستقبل مؤلم لبغداد تصوره لوحة بيكاسو ( جورنيكا ) Guernica التي تصور أهوال الحروب وآلامها

لقد كان النصف الأول من النص استباقا ( احداث مستقبلية ) في صورة كابوس لأحداث ستحدث بالمستقبل رآها أبو نواس ولا شك أن الحلم وسيلة من وسائل تشويق المتلقي يحثه على التفكير برمزيته ووسيلة للتحرر من الزمن الواقعي

ثم انطلق ليخبر صاحبه الرشيد بما رأى ... "فأنبرى ليبحث عن قصر سيده في وسط الدخان والسنة اللهب المتصاعد من كل مكان ، وها هو يصول ويجول بحثا ً وتمحيصا ً حتى وصل الى شارع أبي نؤاس ووجد تمثالا ً مقصوفا ً ..."

فكل شيء حوله قد تغير تماما في الواقع .. وهذا لم يعد حلما ، فما يلبث إلا أن يصطدم برأس تمثال كبير مكتوب عليه :

"إذا كنت قد وجدت تمثال رأسي مهشما ً ، فأبحث عن الفأس التي غرسها كلكامش في عنق خمبابا وحش غابة الأرز ، قبل أن يُفتَح َ باب ٌ من أبواب الجحيم ويُنزل على هذه الأرض وحشا ً أعتى منه ، أو من ثور عشتار المجنح ، أو من كلب مردوخ الأعور ذي الرؤوس الثلاثة ، حارس بوابات الجحيم .. "

وهذه الجملة المحورية وردت في النص مرتين إلا أن كل مرة كان لها وقع مختلف على أبي نؤاس وتبين اختلاف الزمن الماضية فيه الأحداث ..

ففي المرة الأولى " اندهش قليلا ً من عمق ما تفصح به هذه الكلماتالغريبة ، حتى اهتزت يده وأسقطت ما تحمله على بقايا فم التمثال القاحلة ... فتح فمه قليلا ً ليتقيأ جزءاً من بخار الكلمات الصادحة بلعاب ما صادفه من متناقضات" لقد كان هذا في الحلم لما رآه أول مرة

أما في المرة الثانية " حتى عثر على كتابة تعرف عليها حالما رآها " هنا هذا هو الواقع لأنها صارت له مألوفة بعد الحلم .. وكانت كلمات التمثال "واذا بفم التمثال ينطق ويقول ، أسرع يا أبا نؤاس قبل أن يهشموا مدينتي وعاصمة ملكي مثلما هشموا تمثالي .. أما زلت هنا .. أسرع قبل فوات الأوان"

وكان في حلمه أنه قلق على جاريته الحبلى .. فكان في الواقع :

" انطلق أبو نؤاس غير مبال ٍ بالجمع الزاحف نحوه ، وهرع يضرب هنا وهناك على اللحاءات المكسوة بلعاب بارودي أسود ، والجمع يتقدم نحوه ... وبينما هم في غفلتهم ، اهتزت الشجرة ولمع برق نازف من مجاهيل الغيب ... فأرتبك الجمع وانفض ُ وأبو نؤأس يضرب هنا وهناك حتى سقط عليه الجذع المنتصب ..

الأربعاء، 11 يونيو 2014

دراسات: نثر - شعر: المختار اللغماني الشاعر الثائر بقلم/ المختار الأحولي

(الذي أقسم على انتصار الشمس)


عصر يوم غائم حزين من شهر جانفي.كان الجمع يتابع تطورات الوضع الصحّي لشاب في الخامسة والعشرين من ربيع عمر الكلمات.متمنين أن تكون تطمينات الأطباء على غموضها بشارة خير.ونسترق السمع من حجب روحه ألتي تتردد في صدى الصوته المحزون يودّع الشوارع قائلا:*(الموت مساء أمام رفات مهرة الريح).

ـ أكركر رجليّ في شوارعها.....يا مدينة..

سلّمت مفاتيحها للمشترين.....وفتّحت فخذيها لبائعها..

يا مومسا حزينة مصابة بالشذوذ وبكلّ أمراض النساء....يا أمّا قاسية ولدتني ذات صباح

وتقتلني كلّ مساء.../... 

لكن في هذه العصريّة الغائمة.التي يبللها رذاذ الحزن.المتقاطر على جمع من الرفاق والأتراب والأحبة والأهل.زفّ الشاعر إلى عروسه في فرح محزون.بزغردات معبوداته.من صبايا الطين الحيّ واللحم الناريّ لزارات القصيدة.بفعل بركان قلبه الشمسي الصحراويّ.وبآيات من وصايا البحر والنخلات.وميراث الأغاني. التي تعمّر ليل العاشقين.لانتصار شمس الإنسان الشاق الباني. الكادح المتعب المنهك بأوجاع فقره.رغم ما اقترفه من تشييد لصروح وقصور حفنة من المحسوبين على خدمته.وإعلائه لراية بلاد مازلت تحاول الفكاك من المستعمر الراكض اللاهث خلف دمها السحريّ الخرافيّ والحضاريّ التاريخيّ.من موقعه الذي فرضته عليه قلّة علمه وتمدرسه(والحال على أيام الشاعر غالبة وعامة.على النسبة الكبيرة من أبناء الشعب.وبقيّة العرب.وبنسبة هامة حتى في العالم الذي نتصوره متقدّما ومتطورا ساعتها)لذلك نذر هذا العصيّ على حياة الذلّ بشموخ روحه الجنوبيّة المجنونة.وأصرّ على أن تكون أيامه القصيرة بيننا.هي لحظة انتشاء الانسان أينما كان.وعلى الأخصّ الثوري منهم.كما سنقرأ من وحي روحه ما تيسّر من أغاني الشمس.

لكن قبل ذلك.وحتى يكون سفرنا قانونيا.في زمن القصيدة.سنبدأ من حيث ركب الشاعر درب الذهاب إلى غيابه دما حارا حيّا ليعيش ذكرى وذاكرة.

كان أوّل الواثبين في قافلة المودّعين (على اختلاف السبل في نهج الحياة الشعريّة والسياسيّة)ابن دمه وجدول من جداول القبيلة:الشاعر العربي بإشعاعه أحمد اللغماني.حيث راسل روح المختار قائلا في وداع الأخ الأكبر الحنون:

(قصيدة:فظيع...أفول الأهلّة"إلى روح الشاعر الشاب المختار اللغماني"جريدة "الصباح"الخميس 20/01/1977)

...فظيع أفول الأهلّة

........................فظيع...

توارى الهلال ولم يتبرّج سوى بعض ليله..

على مطلع شفقيّ البساط

تنفست اللمحات المطلّة...

فكانت عبيرا مشعّ

وكانت ضياء يضوع

وكانت على الأفق شعلة.../... 

أمّا صديقه ورفيق دربه الناقد المشهور بجديته وصرامته وسخريته اللاذعة.أحمد حاذق العرف.فكتب في مقال تأبينيّ (بجريدة "الصباح" 1977)

(...كان أحد الشموع التي خسرها الشعر التونسي الجديد.المليء بالوعود والعطاءات.كان أحد الشموع التي فقدتها الطليعة الأدبيّة ببلادنا وهي تدخل منعرجها الجديد...كان أحد الشموع التي خسرتها الثقافة الوطنيّة المطلّة من وراء الأفق والتي نسعى جميعا إلى توفير مناخها...)

ولم يكن كلام الناقد مجازفة أو تجديف...بل من نظرة عارف بالدورين اللذين كان المختار يقوم بهما على المستويين الابداعي الشعري والتأسيسي الباني لفضاء الشمس المنتصرة..من خلال مساهمته في تأسيس النوادي الأدبية والثقافية



والشعريّة..مع حضوره التوعوي كمساهم فيما يجب أن تكون عليه التحولات الشعريّة.(حسب رؤيته النابعة من ثقافته المكتسبة في زمنه ومعايشته لتنظير الأفكار التي تهم الشعر خصوصا كأداة لنصرة الشمس الحارقة بحقيقة وضعها والفعل الفكريّ السياسي عموما)

ـ ولنا أن نذكر صريح قوله سنة 1977.(...إننا كنّا ومازلنا نؤمن بطليعة أدبيّة مبدأ وموقفا ولم نؤمن بها أشخاصا.وبعيدا عن كلّ الخلفيات والعلاقات وتأثيراتها...) وبرؤية حداثية تحريريّة للشعر ودوره فحال الشعر والشعراء كما رآها ووصفها في قوله: قصيدة*(الشعراء):

ـ خززت أفكارنا...ركدت

أضحت مستنقعات...عشش فيها البعوض...

باض في القذرات.../...

ويواصل فاتحا أفق البناء لقصيده وهو يخاطب روحه الفاعلة قائلا *(سأعرف كيف أبني أفكاري...أبنيها...أنا الباني...أعجنها بأحزاني.../...)

وهنا وجب أن أنبّه إلى أنّي لا أدّعي عظمة وهميّة للشاعر.ولا أأسطره بقدر ما أتوخّى موضوعيّة المستقرأ،لكنه ولبّ شاعر أسهم في ما بلغنا من خلال حلقات الاستمرارية والتواصل.للمشهد الشعريّ في تونس.وأخضع من خلاله المنعطف السبعيني للشعر التونسي وخياراته ومواقفه لبصيرة المكتشف.من خلال نموذجه الذي كان ومازال عند الكثيرون ذاكرة وذكرى وشهادة شاهد على مشهد شعريّ حقيقي.لتونس السبعينات بحراكها الثقافي وكلّ المؤثرات فيه وعلى رأسها العامل السياسيّ الذي كان سند كلّ مبدعي وفناني تلط المرحلة بالفكرة والنظرة ورسم الطريق.وهنا أجدني أتفق مع كلام الدكتور الذي رافق ولازم كنوز وشعلة الأدب السبعيني وعلى رأسهم شاعرنا المختار(وما يسمى بحركة الطليعة الأدبية في تونس) في قوله عند تأبين الشاعر في جلسة بنادي الشعر بدار الثقافة إبن خلدون الذي كان الشاعر من بين مؤسسيه صحبة كلّ من المتكلّم ذاته الدكتور هشام بوقمرة.والشاعر أحمد اللغماني والشاعر عبد الحميد خريف والأديب محي الدين خريف والشاعرة فاطمة الدريدي والشاعرنورالدين صمود ومحمد أحمد القابسي والميداني بن صالح وغيرهم...وذلك خلال سنة 1976.

ـ حيث قال :(...لم يكن صوتا فريدا،ولكنّه كان صوتا داخل رافد أصيل،ساهم في حركة شعريّة إبداعيّة في صدق وإخلاص...)

وهو الذي حدد دوره الشعريّ بقوله *(عن الشعر):

الشعر لا يبيعه البائع

ولا يشتريه زبون

مطعون أنا............مطعون

ككلّ جياع الأرض

محتاج إلى الصياح

محتاج إلى الرفض

محتاج إلى حمل السلاح.................إلى استعمال اللفظ.../...

ـ المختار اللغماني شاعر هموم زمانه:

كان عرس مواراته الثرى في منبته "قرية الزارات" وترجّله راحلة الأيام.رجّة لهيكل كلماته التي سكنت لسان وقلوب ثوار أيامه في تونس.التي كان صورتها وصوتها الواقعي الحقيقي.على بساطة كلماته وعمق معانيها الانسانيّة وبروحه الجنوبية البسيطة المحافظة على الودّ والحبّ والتآزر والتآخي التي كان حريصا على إشاعتها بين رفقائه وأصحابه وكانت دليل ونهج محبّته للشعب بأسره الذي تكلّم بلسانه وببساطة مفرداته اللغوية الشعبيّة.وهو ذاته من يوصّفها بصراحته الجنوبيّة المكشوفة،في قصيدة(عبارتي شعبيّة)ـ

عبارتي شعبيّة

عاملة ساعية

وواعية...................اضربت على الاعمال الفنية.

عبارتي شعبيّة

قبيحة كالجوع

ولا تصف الربيع....................فهي ليست شعريّة؟

عبارتي شعبية....تجوع كالفلاّحين.....تعطش كالعمّال......وتحبس كالثوريين..

لكنها تبقى مثلهم حيّة.../...

إنّ تأثيرا الواقعيّة الاشتراكيّة بجميع مفرداتها واضحة في أثر شعراء السبعينات في تونس وليس ذلك بالغريب إذا ما أخضعنا هذا النهج المتبع لمتغيرات دولية وإقليمية ووطنيّة خصوصا.إذ كانت تلك الفترة هي ذروة الصراع والصدام مع سلطة قامعة بوليسيّة استندت إلى قوّة البوليس لترسي الأمن السياسي.ووظفت القانون لتنشئ محكمة خاصة "محكمة



أمن الدولة"قدّام المدّ الثوري الشيوعي.الذي فضحها على أنها سلطة عميلة تكرّس ليس سلطة المستعمر القديم بل وفتحت البلاد لسلطة مستعمر أخطر الإمبرياليّة والصهيونيّة العالميّة وعلى رأسها أمريكا.

وكانت الطليعة الأدبيّة هي رؤية ثوريّة وطنيّة تونسيّة.ثقافيّة.شعريّة.وأدبيّة عموما.تحاور الأفكار العربيّة.والإنسانية الثوريّة في حينه.وتحدد مجال تحرك المبدع والمثقف العضويّ في صميم هموم شعبه ووطنه وهو النموذج العربي والإنساني.لمعاناة وشقاء هذا الانسان الذي ينشد الحرّية وحقّه الشرعيّ والقانونيّ والطبيعيّ في الرغيف بعزّة وكرامة.منها يبني عزّة وكرامة وطن برمّته.وشاعرنا لم يكن سوى حلقة من سلسلة يتواصل صهرها حتى الآن وحتى غد الانسانيّة.فلا أدب ولا فنّ ولا إبداع بلا قضيّة ولا وجهة نظر تنتمي اليه معنى ومبنى.وما مقولة الفنّ للفنّ سوى مقولة هارب من ساحة المعركة.متغطّي برداء برجوازي.نسجه الخوف من قمع السلطة من جهة والاسترزاق من فتات القصور من جهة أخرى.

لكنّ شاعرنا بمعيّة رفاق دربه كوّنوا سلطة معنويّة لمن يدعوهم "بورقيبة (بالأفاقين)" القادمين من ريفهم بغبار هذا الريف ناشدين موقعا في المشهد الوطني.وهنا نورد إجابة الشاعر الصريحة متغنّيا بخصال منبته الريفيّ الذي أنشأه كغيره من الريفيين بلا زيف أو أقنعة المدينة التي اكتشفوا أمراضها تلك زمن قدومهم طالبين العلم من مناراتها التي تعجّ بالريفيين.

وبسخرية مبطنة واعتزاز واضح يقول:في قصيد(ريفي)

ـ ريفي.كأن تقول "جبري" غريب عن الحضارة

ومن الحفاة العراة المعفسين على الحجارة

ريفي كأن تقول "غبيّ" في مسرحيات الإذاعة

يهدي الدجاج والبيض...في سنوات المجاعة..............................

...ريفي..كأن يقول للدجاج ..دجاجة

ويعطش.....ويعرى................................ولا تحنيه الحاجة.../...

وهنا أجدني مجبرا على أن أمرّ من ثنايا النخل والتين والزيتون.ومسارب الواحة...وملح البحر..حرارة ماء العين..في (زارات) جنّة الشاعر..وملهمته الأولى..ومن رزقته الخمسة والعشرين ربيعا من الحبّ المحزون...والشدو الحنون..وروح الجنون...التي زاوجته ونصرة شعبه المفقّر...ليدفعهم في فخر وانتشاء وهو صارخا:

*ـ ارتفعي يا أيدي...يا أيدي ارتفعي شددي القبضات...

أصافحكم...أصافحكم...يا حاملين في قبضاتكم هدير البحر الآتي.............../...فمن هي معبودته التي تمتلك ناصية وجوده وغيابه؟

ـ المختار اللغماني شاعر الزارات:

فمن هي هذه المعبودة؟التي ترسم حدودها الواحات الشاسعة جنوبا.وشرقا البحر.وشمالا طريق الميناء الآن.هي قرية موجودة من *(الزمن البونيقي "على أقلّ تقدير" استنادا على يوجد من آثار راجعة لهذا العصر الراجع إلى 111 ق م تقريبا.وهي آثار موجودة بمنطقتي المعمورة وشطّ العوامر وغيرهما.كما أثبتت عمليات المسح الأثري وجود أكثر من 150 موقعا أثريا بالجهة يدلّ نمطها المعماري وحجارتها الضخمة على انتمائها لحضارات مختلفة منها البونيقيّة التي ارتبطت بالسواحل والحضارة الرومانيّة التي ارتبطت بالسهول والأراضي الخصبة.) كما نلاحظ وجود بعض الآثار الرومانية وأنت مار من جهة الزارات (ومنها ما يوجد جنوب الواحة قرب سبخة).وهي تنتمي الى مركز عمراني غابر.يوافق موقعها واحة الزارات fulgurita فإنها هنالك محطة رومانية قديمة تسمى نسبة إلى peutingerحسب دليل العالم الأثري للآثار الرومانيّة ويحدد الموقع الأثري للمدينة الحقيقية المعروفة antonin والتي تربطها بمدينة تكابيس."قابس".

وكتب عنها العديد من الرحالة عربا وإفرنج ومنها ما كتبه الرحّالة التيجاني ص 119 من كتاب رحلته قائلا: (الزارات قرية ذات نخيل كثير وماء غزير ينبع من عين حمئة وقد اجتمعت لدى منبعها بركة ماء متسعة القطر بعيدة القعر.وأهلها من البربر والمتمسكين بمذهب الخوارج وهذا المذهب هو الغالب آنذاك على جميع البقاع التي بين قابس وطرابلس وخصوصا أهل الساحل البحري منهم).

أمّا الكاتبان فقد دوّنا سنة 1888 .fernand lafitte وjean servonnet في كتابهما خليج قابس "ص131 و 132" فهما يذكران الزارات (قرية يسكنها قرابة 400 أو 500 نسمة من أصل بربري وتشبه حدائقها في اخضرارها حدائق قابس وبها نخيل كثير واشجار مثمرة تسقيها مياه متدفقة من عين سخية تصب في بركة كبيرة قبل أن تتفرغ إلى سواقي



باتجاه الواحة ولما يأتي زائر بين العصر والمغرب في فصل الصيف خصوصا يشاهد مظاهر الحياة اليومية فريدة لهذي القرية عند نقطة الماء هذه.). 

ـ ولم يبقى الأصل الدم الساري في عروق أهلها بربريّا. منذ زمن بعيد في القدم.بعد اعتناق بعضهم للإسلام وهجرة من خالفهم إلى مواضع آمنة من جيش المسلمين القادمين من مشرق وفيه خليط أعراق تركت بصمتها في الإرث العام للقرية.منذ فجر جيوش حسّان ابن ثابت ومن تلاه التي مرّت من مدخلها وترابها أو على مقربة كبيرة منها أي على طريق القرى المجاورة لها أيضا.فتمازج الدمّ وتدرّج في اختلاطه حتى أصبح عربيّا خالصا.نقيّا عرقا وطبعا وطابعا وإرث ونسب لا شائبة فيه. ولم يبقى من العرق البربري سوى بعض ذكر في كتب الرحّالة فقط لا غير.

ـ وهي قرية صغيرة على أيّام الشاعر.أهلها من البساطة والأريحيّة وصدق المشاعر. بحيث لازالوا في إكرام الغريب والإحاطة بالحبيب على قلّة المورد وقسوة الطبيعة التي زادت في شحه الرزق. مما دفع بأبنائها في وقت مبكر إلى الهجرة إلى فرنسا بالأساس وهذا العنصر مسّ شاعرنا بحيث حرمه لفترة غير قصيرة من التواصل المباشر وحضور الأبّ في حياته. فكانت الأمّ التي هي الملهمة والمعبودة رمز وروح المكان وآيات الزمان.التي ريح الحياة التي تقذفه إلى عوالم الحبّ.مرتكبا بما يدفعه من حبّ محزون أجمل الآثام (الشعر).

وللشعر في حياته مرحلتين رئيسيّتين ـ مرحلة القلب العاشق للحياة.الرافض لطقوس القديم البالي.الباحث عنها في جمال الصبايا وروعة الغزل ـ ومرحلة ثانية كانت هي عنوان الشاعر في دفتر تاريخ الشعراء ـ مرحلة العقل الثائر الذي يراكم فكرا ورؤية.بأسس القلب الريفيّ بفطرته وسليقته.وحبّه الصاخب الغاضب أبدا.للناس الكادحين .والفقراء المحرومين المظلومين.

ومرحلتي بنائه الشعريّ يشتركان في الرفض والثورة كعنصر أساس في وجدانه وما الاختلاف سوى بين منطق القلب ومتن العقل وهما مفصولتان بالرحلة فالمرحلة الأولى كانت في أرض معركته الأولى المنبت.أمّا المرحلة الثانية فكانت صدمة واقع تلك العاصمة التي كان في تصوره "كعامة ساكني الريف والمدن البعيدة"جنّة الحضارة ومعلم التحرر والإعتاق من التخلّف.لكن كانت صدمته كبيرة حين رأى أن ما في الريف من رزق على قلّته وطمأنينة وراحة روح وبال.لا توجد في عاصمة الجوع والفقر حتى أنّه اعترف لحلمه أنه حلم (خلواض)في قصيدة: *(حلم رجل "خلواض")..

ـ حلمت الملاّسين في الفجر..تهاجم باب البحر...

كالريح في هبوطها..تملّس بطوبها وتضربه بالمطر

وتصعد القربيات إلى أفريكا....وتسقط لباس المغازات....في يد الخردة

والروبافيكا...

ـ حلمت:العاصمة وكانت نائمة..وحالمة

تزخر بالناس والدخان..رأيت بعض الحيطان في شارع الحرية

تبدّل لغتها الرسميّة...وبعض الأوثان...في شارع روما

تسقط مكتومة...

ـ حلمت حلمت...حكيت حلمي للجيران قالوا..يا فلان "حلمك حلم رجل خلواض وفي الحكمة قانون

يفرض عليه الإجهاض"...

ويحمله العقل إلى تأبّط الفكرة.باقتناص ذاكرة المتلقي ومرجعياته الشرعيّة إلى محاورة الرمز.والتلاعب بصوره المحفورة في روح الناس حين يقول:* (أفعال بين فاعل ومفعول)

ـ "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"؟...

الذين يعشقون ويغضبون ويقولون...والذين هم سكوت..

الذين يأكلون الدنيا وتسحرون بالآخرة...والذين يأكلون الموت..

وينتظرون القوت...وخلاصة الدنيا إذا وصفناها...

الذين يحكمون فهم "حاكمون"...والذين محكومون فهم محكوم عليهم.../...

وكان الشاعر قد التزم وألزم قلمه على الإنتماء للشعب حتى في انتقاء العبارة واللفظ الذي يصل بسهولة وسلاسة إلى روح الناس البسطاء.بدون تعقيدات لغوية وبلاغيّة ومحاسن لفظيّة تركها إلى حينها وسنورد هذا التحوّل في الشكل والبنية لاحقا وفي حينه.فهو وبحكم انتمائه للشعب المفقّر والمجوّع.يلتحم معهم في *(تقديمات للعبارة الشعريّة): حيث يقول:

ـ أحبها بسيطة كمنازل الطوب..

كلباس ريفيّ من الجنوب..كحديث عامل من بلادي

كفطور الخمّاس في فصل الحصاد..

أحبها شقية كصندوق شيات..كبرويطة حمّال



كحديث بلا بروتوكول..وبلا مقدمات.../...

وكان محرّضا لاذعا وساخر في بعض الأحيان حدّ البكاء من واقع يسير نحو مجهول تأكّد فيما تلاه من أحداث تاريخ البلاد وتطورات مساره بلوغا حدّ انتفاضة(17ديسمبر/14 جانفي) صحّة رؤيته وتوجهه وانتمائه للقاعدة الأصليّة للشاعر والمبدع عموما أي الشعب المحكوم.ولم يساوم أو يهادن ويخدم بلاط الحكّام ولو لبعض غفلة زمنيّة. 

ففي قصيدة.جعلت فرقة موسيقى ملتزمة في أربعينية وفات شاعرنا من عنوانها اسما لها (الحمائم البيض).

وهي*(أحزان الحمائم البيض)يقول محرّضا:

ـ لا تستلقي..تململ في البيضة...

حطّم القشرة..

أزح عن صدرك هذي الصخرة

وصفّق بجناحيك في الهواء الطلق.../...

ولم يكن يحصر همومه في بعدها الوطني فقط.وإنما أيضا إلتزم بالبعد الإنساني وتمازج مع هموم الثوريين في العالم خصوصا منهم من كان سندا لقضايا العرب والمتطوعين بدمهم وحياتهم لنصرتهم.أمثال قائد عمليّة مطار اللدّ: الرفيق أوكاموتو.الذي خصّه ب:*(رسالة حبّ إلى أوكاموتو) يقول فيها.

ـ أوكاموتو...أحبك يا أخي الإنسان

ولست أخي في الدين...ولست بقارئ القرآن...

ولست من "خير أمّة قد أخرجت للناس"

فحين حبول البركان...تذوب جميع الأجناس...وتسقط كلّ الأديان.../...

وفي اطار ذكرنا للقضية المركزية العربيّة فلن نزيد على ما قاله في:*(الحديث عن فلسطين)

يتعمّق جرحك إثر كلّ هزيمة...

يتكشّف عن سحر الأجداد...وشعر الأسياد

وإذا أنت...كما كنت...وليمة.../...

لكن حدث طارئ على الشاعر في جزء أخير من مرحلة العاصمة(أي المرحلة الثانية والأخيرة من حياته)حيث برز تطور في الشكل والأفق لقصيده وكان إيذانا بميلاد جديد لم يسعفه الزمن ليتمّه ويخلّد منه سوى نزر و دفتر صغير لكن على صغره نستشفّ منه محاورة جميلة للشعر العربي الملتزم عموما.ذلك النهج الشعريّ الثوريّ الذي حمل بصمة رواد القصيدة الحديثة المنمقة والمزينة بسحر الحياة العربية البسيطة والريفية أيضا.من أمثال محمود درويش ومظفّر النواب والبياتي وانس الحاج والخال ورواد قصيد لبنان الجديد.فكان المختار مزيج سحريّ لم ينفصل فيه عن وطنه وبلاده بل كرّسه للغرض ذاته.لكن بوعاء جديد.سيبرز بعده وحتى يومنا هذا على أنه الشكل الأرقى للشعر العربي الحديث.

وهنا أجدني منبهرا ومجذوبا لقصيده الرائع الذي حفر فينا مسافة بين درس شعري وآخر.بين نمط ومدرسة وأخرى نابعة من واقع المدرسة الأولى كفرع أصبح بمرور الزمن هو الأصل المعتمد.والمسمى في بعده الإنساني بالواقعيّة السحريّة.

وأعني قصيد*(حفريات في جسد عربي) والذي يستهله بروحه الثائرة دوما قائلا:

لا تقتل حلمي...باسم الله..وباسم الدين..وباسم القانون..

ولا تذبح قلمي....

كلماتك حمرا قال فما لون دمي ...

إنّي أشهد بحمام العالم...بالزيتون المطعون...بالبحر المسجون...وبالدنيا..

وأنا أعرف ليس في الدنيا أحلى أو أغلى من هذي الدنيا...

أشهد أنّي عربيّ حتى آخر نبض في عرقي...عربيّ صوتي...عربيّ عشقي...عربيّ ضحكي وبكائي..

عربيّ في رغباتي الممنوعة...في أهوائي...عربيّ فيما أشعر...عربيّ فيما أكتب..

لكنّ العالم أرحب.........................................................لكن العالم أرحب.../...

ورغم أنني لا يمكن أن يوقفني تصفحي لعالم المختار اللغماني عند هذا الحدّ لكن لضرورة الصمت في زمن يركبه منتحلي التقوّل فإنني سأصمت لأترك لمن يريد الغوص في هذا العالم الرائع لشاعر أعاد للزمن بريقه وهو يرقد في آخر لحظة من حياته على سرير الختام وهو يقول:*(التعبير عن الغربة)وهي آخر ما كتب.



عيناي بؤرتان منفيتان في المدينة المنفى...عيناي نائمتان على دائي...معلقتان على أهوائي...

مصلوبتان على سرير عمري المستشفى........يا مستنقعات الأيام...يا مزابل منتصف الليل....يا عمري..

مالي ولهذا الزمان......المجدب القفر..........................................مالي ولعصري.../...

وكان عصر يوم غائم حزين من مستهلّ شهر جانفي شهر كان ولا يزال شهر ميلاد الثورة في تونس وآخرها وليس آخرا...(14 جانفي 2010)الذي أقسم فيه الشاعر آخر أيمانه الغليظة...حين أقسم على انتصار الشمس.

الأحد، 20 أبريل 2014

دراسات: نثر - شعر: نكهة العبث في مجموعة وش القهوة للكاتب مروان محمد بقلم/ علاء الدين حسو

يصر الكاتب مروان محمد -وهذا ثالث عمل اقرؤه له- على استخدام الفعل المضارع والفعل المضارع لا مكان له في عالم القص ، وإنما مكانه عالم السناريو . وربما هو غاية الكاتب لتأكيد استمرارية الحدث . أو لتشخيص الأحداث كصور عبر الكلمات ، فالفعل المضارع هو سيد الأفعال ومحرك الشخوص فيسير معها القارئ كمن يتابع فيلما من مشاهد تتحرك للأمام ، متجه نحو الحل 

تسود المشاكل والهموم العاطفية أغلب القصص . وأغلب أبطالها من الجيل الشاب ولا يعاني من المشاكل المادية وأنما تنحصر همومه بتحقيق أحلامه العاطفية والقصة الأخيرة في المجموعة تمثل أفضل نموذج وأحكمها في السرد وفق أسلوب السيناريو حيث تم تقطيعها إلى خمسة مشاهد ، كل مشهد قصة قصيرة مرتبطة بالتي بعدها أو قبلها. وهي تحكي حكاية عاطفية غير متبادلة بين شاب وشابة .

قصتنان من هذه المجموعة تختلفان. تشم فيهما رائحة العبث ونكهتها المحيرة والباحثة عن أسئلة كبيرة تتعلق بالحياة والموت والوجود الإنساني . الأولى وقعها بأسم عشرة أصابع فقط. تتحدث عن قاتل مأجور ينتظر ضحيته بأعصاب باردة . ولكنها تطرح أسئلة وجودية هامة ، وفق الكاتب باختيار العنوان الذي اختزل القصة بشكل مدهش حين يفكر القاتل بكيانه وأصابعه لما خلقت عشرة وهذا التساؤل يشير إلى حالة الإنسان ووجوده وتصاغره أمام حقيقة الموت. فحتما أن هناك أسبابا جعلت الضحية ضحية .وقوة القصة تنبع من غموض الضحايا وتصوير عجزها وجذعها حين تتفاجأ بالقاتل الذي يستمتع بسماع توسلاتها. الجو العبثي للقصة يذكرك بقصص غربية عادة لا نراها في القصص العربية التي لا تخلو من روح العاطفة. هنا لا ترى للعاطفة مكانا بعكس القصة الثانية المميزة في المجموعة وهي أنفس القصص ، قصة طويل بدرجة القصر ، من العنوان اللافت إلى مضمون الحكاية وتعتبر أنضج قصة ، مستوفية كل الشروط الفنية للقص . 

تتحدث قصة طويل بدرجة القصر عن عجوز يحاور صور قديمة ولكل صورة حكاية فيقلب عبر الصور الزمن الطويل بساعات قليلة . ويا لها من نهاية رائعة حين يخرج من الغرفة و يطفئ الضوء فيعم الظلام معلنا إسدال الستارة عن حياة كانت طويلة بأفراحها وأحزانها وهي قصيرة قياسا لدورة الحياة الكبرى .

لم يكن المهم معرفة تفاصيل كل صورة . ولكنه استطاع أن يدخلنا اللعبة مع البطل فجعلنا نحس به ونرى في صوره ذكرياتنا و خيباتنا ونجحاتنا والتي في النهاية تتساوى وتصبح مجرد ذكريات نحن إليها دون النظر إلى كونها بيضاء أم سوداء فكل الصفحات تتساوى في العتمة. 

عشرة أصابع وطويل بدرجة القصر قصتان نجحتا بتقديم نكهة مميزة بطعم العبث يذكرنا بمذاق القهوة المر واللذيذ. وينبهنا إلى قصر الحياة رغم طولها وأن لا معنى للتعلق فهي كوش القهوة . ستكنب وتهدر أن لم تنتبه لها .

مجموعة وش القهوة للكاتب مروان محمد ..إصدار حروف منثورة.

الأربعاء، 2 أبريل 2014

دراسات: نثر - شعر: رواية ثلاث مرات لمروان محمد خالية من عناصر الجمال والتشويق بقلم/ إيمان أحمد

بداية أحب أن أقول أن الرواية ليست جيدة على الإطلاق أو بمعنى آخر مبتذلة خالية من عناصر الجمال والتشويق وليس فيها ما يدفع الشخص إلى قراءتها وتكملتها فالرواية بأختصار شديد تتناول بعضاً من المشاكل التى تواجه المخطوبين بشكل إجمالى ولكنها تركز على مشكلة واحدة وهذا لا بأس به ولكن الراوى يتكلم ويطيل الحديث فيها ثم بعد ذلك لم يضع نهاية لها بل أكتفى بوضع نهاية مفتوحة لا تستطيع أن تتوقع من أحداثها ونهايتها شئ وأسم الرواية (ثلاث مرات ) لا تستطيع أن تعرف أهو يعنى بذلك ثلاث مواقف أم ثلاث جهات فى الفصل الأول, كانت المرة الأولى يتحدث فيها سليم ويدور الموقف من جهته عندما قابل سهير على الكورنيش ثم بعد ذلك ذكر المرة الثانية وهو نفس الموقف ولكن من جهة سهير وطريقة تفكيرها ثم بعد ذلك ذكر المرة الثالثة وهى مع أيمن خطيب سهير والذى يترك الساقطة من أجل لقاء سهير ثم بعد ذلك يتكرر نفس الترتيب فى الفصول الثلاثة, الأولى بنفس المنهج وأذكر أنى قد تهت وضعت أكثر من مرة فى ثنايا الرواية وانتابنى بعض الملل لأنه عندما يذكر موقف من ناحية طرف يسرد بشكل مختلف عن الطرف الآخر والحوار يكون مختلف مما يولد تسائلاً أهو نفس الموقف أم هو موقف آخر مشابه وهذا النوع من الروايات لا يجب أن يكون فيه هذا النوع من الغموض والألغاز وهناك أيضاً الكثير من التضارب والتناقض بين أحداثها ففى الصفحة 29 قابل سليم سهير صدفة فى كافية على الكورنيش وتحادثا ثم بعد نقاش طويل صعدت معه السياره بعد أن رأت خطيبها يقل بسيارته فتاة أخرى وذهبت مع سليم وتناولا بعضاً من الأيس كريم ثم بعد ذلك ركبت التاكسى وذهبت إلى المنزل وقد أخذت رقم هاتفه .وفى المرة الثانية فى آخر الصفحة 38 يتكرر نفس الموقف ولكن من ناحية سهير ولكن هذه المرة كانت قد قابلت صديقتها فى الكافية فكيف تكون قد تكلمت مع سليم ؟!, فعلى الرغم من أنها رأته ألا أنها لم تجلس معه أو حادثته ولم تركب معه فى السيارة مما يجعلك تتسائل أهو نفس الموقف أم هو فقط موقف مشابه ؟!, وأيضا كانت تقول سهير لصديقتها أنها تفهم ما يقوله فى الهاتف عندما رأته من داخل المقهى التى هو يجلس خارجها وأنه أحضر لها هدية "أى خطيبته" وأنه ينتظرها ولكن كيف يكون ذلك وهو قد تعارك معها لأنها لم توافق على الخروج معه لأنها مرتبطة بصديقتها, ولكن الموقف من ناحية سهير أن خطيبته قد حضرت بعد ذلك ثم أعطاها الهدية وأنصرفا فكيف يكون ذلك؟, مما جعلنى أصاب بصداع شديد .ثم تأتى المفاجئة الكبيرة فى المرة الثالثة عندما كان يروى أيمن خطيب سهير أنه لا يستطيع أن يقاوم رغبته وأنه ذاهب ليقل تلك الفتاة من على الكورنيش ولكن المفاجئة هذه المرة أن سهير لم تذهب إلى المقهى وأنها كانت فى البيت ولم تستطع أن تنزل لترى خطيبها يخونها مع فتاة أخرى كما قالت سهير لأيمن عندما ذهب إلى البيت بعد ندمه ليقابل سهير فالقارئ يقف بين تلك المرات الثلاثة فى هذا الفصل لا يستطيع أن يفسر أو يفهم أى شئ ..وأيضا نفس تضارب المشاهد يتكرر فى الفصل الثانى ففى المرة الأولى تذهب سهير للقاء سليم فى مطعم زفير فى الماكس فى الصفحة 67 ويتناولا الطعام ويتحادثان ثم بعد ذلك فى المرة الثانية يتغير المشهد كليا فأن سهير تتصل بصديقتها داليا ليتناولا الطعام فى زفير ماكس وليس بسليم كما فى المرة الأولى وذلك بعد أن أتصل بها خطيبها أيمن عدة مرات ولم ترد وتذهب سهير للقاء داليا فى المطعم وتختار نفس الطاولة الملاصقة للنافذة التى تطل على البحر ويتناولا الطعام ويتحدثان ثم بعد ذلك تأتى مفاجئة أخرى فنفس المشهد يتكرر ولكن الحوار والأبطال مختلفين فأن أيمن يتصل بسهير بعد أن شعر بالندم لخيانتها ويتصل بها عدة مرا ت ولكنها فى هذه المرة قد ردت بخلاف المرة الأولى وقد تزينت ثم خرجت مع أيمن وتحدثا فى السيارة ووصلا إلى زفير وقد تناولا الغداء وكانا سعداء وفى الفصل الرابع فى المرة الثانية عندما جاء أيمن ليقابل سهير كانت حازمة على مصارحته وعلى توبيخه ولكن كان هو بارد الأعصاب وقال لها "أزيك" لكن هى لم ترد ودار حوار بينهما ولكن ليس بطريقة جيدة وخرج منزعجا ليتركها فى صدمة و ذهول من تصرفاته وفى المرة الثالثة نفس المشهد ولكن بسيناريو وحوار مختلف ففى هذه المرة كانت سهير جميلة وسعيدة وكانت هى البادئة وقالت له "أزيك" و لكنه لم يرد عليها, المهم دار حوار رومانسى ما بينهما مختلف تمــــــــــاما عن المرة الثانية ولكن النهاية هى ما صدمتنى حقا, ليس فيها ما يدل على أى نهاية, هل هو تاب أم أنها فترة مؤقتة طيب و ما الذى حدث مع سليم و كيف كانت نهايته؟, أنا أظن أن النوع من النهايات المفتوحة التى تجعل لك الحرية فى تخيل أكثر من نهاية, لا أظن أنها مناسبة لوضع الرواية فالرواية تنقصها الكثير وبها الكثير من التناقضات ولكن على أن أقول أنها لا بأس بها بالنسبة لكاتب مبتدأ ولكن عليه أن يتعلم من أخطائه صراحة لولا ألحاح أخى المستمر بأن أكمل الرواية ما أكملتها وفى النهاية أرجو ألا أكون قد أطلت الحوار عليكم وأصبتكم بالملل ...وأرجو أيضا ألا أكون قد قسوت كثيرا على الكاتب ولكن هذا فقط رأى الشخصى وأرجو كل الخير والإبداع للكاتب فى المستقبل و أرجو له النجاح وكل التوفيق. 

الاثنين، 31 مارس 2014

دراسات: نثر- شعر: استخدام المفارقة في القصة القصيرة جدا (فاطمة السنوسى) نموذجاً بقلم/صلاح الدين سر الختم على


فاطمة السنوسى رائدة القصة القصيرة جدا في السودان تتميز ببصمة خاصة في الكتابة ، فهى من جهة سبقت في انتاجها الكتابة النقدية عن فن القصة القصيرة جدا فى السودان وربما في العالم العربى، وهى كتابة تأخرت كثيرا ولازالت شحيحة، فاطمة السنوسى قدمت نماذج ناضجة لفن القصة القصيرة جدا فى وقت مبكر نسبيا ، هو مطلع الثمانينات، وجاءت نصوصها المبهرة نصوصا تعليمية مكتملة النمو ولم تحفل باخطاء البدايات التى لاتزال مصاحبة لكثير مما ينشر على انه قصة قصيرة جدا ، وهو أمر مثير للدهشة ويعنى ان فاطمة السنوسى كانت ملمة بشكل عميق بفنيات كتابة القصة القصيرة ومطلعةعلى نماذج محكمة لذلك النوع، فالمعرفة لاتستحدث من العدم، وبسبب قلة الظهور الأعلامى للكاتبة التى انسحبت من المشهد الثقافى السودانى منذ نهاية الثمانيات وعاشت فى المنفى، لم يلامس النقاد السيرة الذاتية لها ليتم القاء الضوء على ينابيع تجربتها الثرة المدهشة بالرغم من أن نصوصها المعروفة نشرت بالصحف السيارة فقط ولم يتم جمعها ونشرها بكتاب على حد علمى. لكن التجربة المتفردة وقفت بناية شاهقة تلفت نظر المهتمين بتاريخ القصة القصيرة جدا في السودان ، وان لم تلق نفس الإهتمام والإنصاف من النقاد العرب الذين كتبوا عن تاريخ القصة القصيرة جدا في العالم العربى، بل تجاهلوا تجربتها وريادتها واهتموا بكتاب لاحقين لها و ليس عذرا لاولئك النقاد عدم وجود كتاب مطبوع لاعمال القاصة فاطمة السنوسى، فمعظم كتاب القصة القصيرة جدا يكتفون بالنشر للتجارب في الصحف السيارة والمجلات المتخصصة ومؤخرا النشر الالكترونى. نحاول التعريف بفاطمة السنوسى وتجربتها المهمة ونصوصها وطريقتها في الكتابة زاعمين ان نصوصها تعتبر نصوصا تعليمية ذات فائدة كبيرة لكل من يهتم بهذا الفن المستحدث. ومن جهة أخرى نريد انصاف الكاتبة ونصوصها ووضعها فى المكان اللائق بتفردها وتجربتها. فى هذه الدراسة نستعرض جانبا من تجربة فاطمة السنوسي مع القصة القصيرة جدا وهو تقنية استخدام المفارقة بأنواعها المختلفة في كتابة القصة القصيرة جدا، وننهج منهجا تطبيقيا في هذه الدراسة لتكون إمتدادا لدراستنا النظرية عن المفارقة، والغرض واضح وهو يحقق عدة أهداف مجتمعة: ربط الدراسة النظرية بالواقع العملى وعملية انتاج النصوص وتحليلها لتقريب الصورة للكتاب والنقاد، تبيان الإحكام الفنى والتجويد فى نصوص فاطمة السنوسى للتدليل على ريادتها واهميةتجربتها الابداعية. تمليك القارئ منهجية علمية لتحليل وفهم النصوص .

تعريف المفارقة:

مصطلح المفارقة،وهي أن تفهم لفظ على عكس معناه أو تكّوِّن فكرة عن شيء على عكس حقيقته . تعتبر المفارقة من أهم مقومات النص الإبداعي ، خاصة في الرواية والدراما. سواء كانت مفارقة في اللغة بين الدال والمدلول والدلالة؛ أقصد مرونة الدلالة بين اللفظ والمعنى. أو مفارقة في الموقف بين التصور أو المعرفة والفهم لعكس الحقيقة . أو مفارقة في الحركة بين الحركة الطبيعية للإنسان والحركة غير الطبيعية ،سواء كانت آلية أو حيوانية أو معوقة ( و هذه عادة توظف في الكوميديا ). عند الرجوع إلى «قاموس أكسفورد» وجدناه يشير إلى أن مصطلح(Irony ) مشتق من الكلمة اللاتينية (Ironia) التي تعني التخفي تحت مظهر مخادع، والتظاهر بالجهل عن قصد، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

١- هو شكل من أشكال القول يكون المعنى المقصود منه عكس المعنى الذي تعبر عنه الكلمات المستخدمة، ويأخذ - عادة - شكل السخرية حيث تستخدم تعبيرات المدح، وهي تحمل في باطنها الذم والهجاء.

٢- نتاج متناقض لأحداث كما في حالة السخرية من منطقية الأمور.

٣- التخفي تحت مظهر مخادع أو الادعاء والتظاهر، وتستخدم الكلمة - بشكل خاص - للإشارة إلى ما يسمى بـ «المفارقة السقراطية» من خلال ما عُرف بفلسفة السؤال، وكان سقراط يستخدمها ليدحض حجة خصمه. هى كلام يبدو على غير مقصده الحقيقي،أو أّنها كلام يستخلص منه المعنى الثاني الخفى من المعنى الأول السطحي، إ ذ ن المفارقة لعبة لغوية ماهرة وذكية بين طرفين: صانع المفارقة وقارئها، على نحو يقدم فيه صانع المفارقة الّنص بطريقة تستثير القارئ، وتدعوه إلى رفضهبمعناه الحرفي، لصالح المعنى الخفي، الذي غالبا ما يكون المعنى الضد. وهو في أثناءذلك يجعل الّلغة يرتطم بعضها ببعض، بحيث لا يهدأ للقارئ بال إ لا بعد أن يصلإلى المعنى الذي يرتضيه ليستقر عنده،فالمفارقة إًذا "لغة اتصال سري بين الكاتبوالقارئ أو بين المرسل والمستقبل. والمفارقة قد تكون جملة، وقد تشمل العمل الأدبي كلَّه. وتتعدد أشكال المفارقة وأهدافها، فقد تكون سلاحا للهجوم الساخر، وقد تكون أشبه( بستا ر رقيق يخفي ما وراءه من هزيمة الإنسان".)وتحتاج المفارقة - في صناعتها- إلى مهارة لغوية خاصة، كما تحتاج إلىإحكام بالغ الدقة للعلاقة بين الشكل والوظيفة،أو بعبارة أخرى بين المقال والمقام. "وُتعد المفارقة من زاوية المعجمية التاريخية عاملا من عوامل الّتطور الدلالي لّلغة، من حيثإ ن الّلفظ يكتسب معها معنى جديدا هو من معناه القديم بمنزلة النقيض، وذلك حين يكون الخطاب للّتهكم ونحوه"

( 1). والمفارقة صيغة من التعبير تفترض من المخاطب ،بمعنى أن المخا طب يد رك في التعبير ،(Double audience) ازدواجية الاستماع المنطوق معنى حرفيا يكمن في ناحية، ومن ناحية أخرى فإّنه يدرك أَ ن هذا المنطوق -في هذا السياق- لا يصلح أن يؤْخذ على قيمته السطحية، ويعني ذلك أَ ن هذا المنطوق،يرمي إلى معنى آخر يحدده الموقف التبليغي، وهو معنى مناقض- عادًة - لهذا المعنى الحرفي، وبناء على ذلك تبدو المفارقة نوعا من الّتضاد بين المعنى المباشر المنطوق،والمعنى غير المباشر"ويتخصص هذا المفهوم قليلا بالمفارقة الدرامية حيث تنطق الشخصية المسرحية بشيء له عندها وعند ،(Ironie Dramatique)الشخصية الأخرى التي تخاطبها معنى ما، ولكن هذا الشيء الذي تنطق به له -عندالنظارة- معنى مختلف تما ما".

( 2) إ ن هذا الَتضاد الذي نتحدث عنه يلحظه القارئ أو المخا طب من خلال السياق.1)- خالد سليمان: المفارقة والأدب، دراسات في النظرية والتطبيق، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، د.ط، . 1991 ، ص: 08. 2)- نبيلة إبراهيم: فن القص في النظرية والتطبيق، ص: 197 ).هذا باختصار تعريف نظرى موجز للمفارقة كمصطلح نقدى وفلسفى. ولابد للناقد والكاتب من منهجية معينة يستخدمها لمعرفة المفارقة وبنائها فى النصوص والتعرف عليها وعلى دلالتها حيث وجدت. والمفارقة لا تكون إلا عندما يكون أثرها مزيجا من الألم والّتسلية، ولا تترك القارئ إ لا بعد أن تكون قد رسمت على شفتيه ابتسامة هادئة تصحبها السخرية من الضحية. وهي -أي المفارقة- رفض للمعنى الحرفي من الضحية، هذا الرفض للمعنى الحرفي للكلام يكون لصالح المعنى الآخر، المعنى الذي لم يعبر عنه. وقد استقر النقد والنقاد على منهجية معينة للتعرف على المفارقة فى النص. وتتمثل العملية فيما يلى:

الخطوة الأولى: رفض المعنى الحرفى للنص:

ينبغي على القارئ أن يرفض المعنى الحرفي، وليس أمرًا كافيًا أن يرفض القارئ هذا المعنى لأنه لا يوافق عليه، وليس كافيًا أيضًا أن يقوم بإضافة معانٍ أخرى من عنده. فإذا كان القارئ يقرأ قراءة دقيقة، فإنه لن يستطيع تجاهل هذا التنافر أو التعارض بين الكلمات وما يعرفه هو «أى القارئ». وفي كل الأحوال، فإن السبيل إلى معانٍ جديدة يمر عبر اقتناع صامت لا يمكن أن يتوافق مع المعنى الحرفي. وينبغي أن نلاحظ شيئين فيما يخص هذه الخطوة الأولى، وهما رفض افتراض ما، لأننا ينبغى علينا أن نرفض هذا الافتراض الصامت أو غير الواضح،. كما ينبغي على القارئ أن يتمكن من الإمساك بما يعتبره البعض مفاتيح خارجية.

الخطوة الثانية: التأويل البديل :

يقترح القارئ تأويلات أو شروحًا بديلة، وسوف تكون كل هذه التأويلات متعارضة إلى حد ما مع المعنى السطحى الظاهر لما يقوله النص، ومن المحتمل أن تكون غير متوافقة، ولكنه بالتأكيد سوف يراجع نفسه. وربما يقول: إنها سقطة من الكاتب، أو أنه مجنون، أو قد مرَّ شىء في البداية لم ألاحظه، أو أن هذه قد تعني شيئًا لا علم لى به.

الخطوة الثالثة :التعرف على القصد المحتمل أو المرجح للكاتب:

وبناء عليه يجب أن نتخذ قرارًا بشأن معتقدات الكاتب، فعندما يقول فولتير: «إنها تمطر»، فإن ثقتنا في أن فولتير كان يستخدم المفارقة تكون عظيمة لدرجة ترقى إلى مرتبة الحقيقة، ونعتمد على قناعتنا بأنه مثلنا، يرى ويرفض ما تتضمنه العبارة «كلا الجانبين يستطيع أن يكسب الحرب نفسها». إن هذا الحكم على معتقدات الكاتب يتماشى مع تأويل المفارقة الثابتة Stable Irony ولا يتم إدراك المفارقة الثابتة بدون الوصول إلى هذا الحكم.ونلاحظ أن الخطوتين الأولى والثانية في حد ذاتيهما لا تستطيعان أن تقولا إن العبارة بها مفارقة. ولا يهم إلى أي مدى نكون مقتنعين اقتناعًا راسخًا بأن العبارة غير منطقية وغير معقولة وأنها محض زيف واضح. ويجب علينا أن نقرر: هل الأمر الذي نرفضه مرفوض أيضًا من وجهة نظر الكاتب؟ وهل للكاتب سبب منطقي يجعله يتوقع أن نتفق معه؟. من البديهي أن الكاتب الذي يثير اهتمامنا به ليس إلا الشخص المبدع المسئول عن الاختيارات التي صنعت العمل، وهو ما يسمى بـ «المؤلف الضمنى» Implied Author الموجود في العمل. والحديث عن «المغالطة المتعمدة» أو «المقصودة» حديث صحيح لكنه لا يستطيع أن يحل مشكلاتنا النقدية، فنطلب الكاتب على الهاتف ونسأله ماذا كان يقصد بعبارته تلك أو هذه. إن أفضل دليل على النوايا الخفية التي تكمن خلف أية عبارة في نص هو النص كله. ولأجل بعض الأهداف النقدية، سوف يكون من المعقول أن نتحدث عن مقاصد «النص» وليس عن مقاصد «الكاتب». ولكن التعامل مع المفارقة يجعلنا نشعر بأن الحكم - بشكل نهائي - على دعوتنا ما يزال متجسدًا في وعي الكاتب حينما نكون مدفوعين باتجاه التأويل الصحيح. وفي نهاية الأمر: ينبغي أن نقول إنه ليس من المنطقي أن يكون الكاتب قد وضع هذه الكلمات بهذا الترتيب دون أن يكون قد قصد هذه المفارقة الدقيقة.

الخطوة الرابعة استنباط معنى جديد:

بعدما نكون قد اتخذنا قرارًا بشأن معرفة ومعتقدات الكاتب أو المتحدث، نستطيع في نهاية الأمر أن نختار معنى جديدًا أو نختار حزمة من المعانى التي نشعر معها بالاطمئنان. وعلى عكس الافتراض الأوَّلى، فإن المعاني التي يعاد بناؤها يجب أن تكون متوافقة مع المعتقدات الخفية غير المعلن عنها التي قرر الكاتب أن يعزوها إلى المؤلف. وهنا تلعب ثقافة الناقد وقدراته وخبراته والمامه بالموضوع وبيئة النص دورا كبيرا فى تاويل النص وترجيح هذا المعنى أو ذاك، ويجب الوضع فى الاعتبار ان شرط الاجادة في استنباط معان جديدة ليس هو موافقة الكاتب على التأويل أو رفضه، بل العبرة بمنطقية التحليل حسب عبارة النص وظروف انتاجه، وقد يكشف الناقد معان خفية حتى على كاتب النص نفسه ، وتلك هى ميزة من ميزات النقد الأمين العميق. إن استنباط المعانى الخفية المضمرة هو فى حد ذاته عملية انتاج لنص جديد واعادة انتاج لنص مقروء، وحتى عملية إعادة الإنتاج في الحقيقة هى إبداع أصيل للناقد مثلها فى ذلك مثل عملية بناء لحن موسيقي لقصيدة ليست للملحن ومثلها مثل اداء المغنى للقصيدة واللحن ففى العمليات الثلاث هناك بصمة شخصية لكل من الناقد والملحن والمغنى وهناك منتوج إبداعى خاص به لايلغيه كونه يشتغل على نص آخر. وهذا هو مايعرف بالحقوق المجاورة فى الملكية الفكرىة. ومثلما تتطلب كتابة النصوص الإبداعية المقرؤة ثقافة عالية وإلماما بشروط انتاجها من كاتبها ، تتطلب ذات الشئ مضافا اليه ملكة خاصة وذائقة نقدية ومعارف مفهومىة لدى الناقد تمكنه من فك شيفرة النص ومحاورته وإستنطاقه. على هدى من هذه المفاهيم ندلف الى عالم فاطمة السنوسى المدهش لقراءته وتحليل النصوص بحثا عن كيفية انتاجها ودلالتها الكامنة ومنهجية بناء النص عند فاطمة السنوسى. من خلال قراءتنا لمجموعة كبيرة من نصوص الكاتبة لاحظنا ملاحظات أولية مهمة:

1/ انتاج نصوص فاطمة السنوسى ليس صورا بلاغية منمقة جميلة ، بل هى كتابة واعية بشروط انتاج الجنس الأدبى الذى كتبت تحت مظلته وهو القصة القصيرة جدا، وتكشف النصوص عن امتلاك الكاتبة لمعارف نقدية متقدمة حول هذا الفن، تجلت في بنية نصوصها بشكل ملفت.

2/ المفارقة بانواعها المختلفة حاضرة حضورا مدهشا ودائما فى مجمل التجربة الإبداعية للكاتبة، بحيث يمكن الجزم بعدم وجود نص خال منها.

3/ تتميز نصوص فاطمةالسنوسى بالتدقيق في اختيار الكلمات والجمل والإقتصاد الشديد فيها، مما يؤكد وعيها بأهمية التكثيف في القصة القصيرة جدا.

4/ تميل فاطمة السنوسى الى استخدام الجمل الفعلية.

5/ لاتخلو القصة من الطرفة والسخرية وعنصر الإدهاش والمفاجأة في الخاتمة.6/ القصة القصيرة جدا دائما تتميز عندها بالوحدة فى الزمان والمكان والحدث وقلة الشخوص والأحداث، والسير مباشرة نحو الهدف دون تمهل أو ابطاء.

المفارقة الدرامية فى نصوص فاطمة السنوسى:

ارتبطت المفارقة الدرامية بالأساس بالمسرح، فهى متضمنة بالضرورة في أي عمل مسرحى، لكن هذا لا يعنى عدم وجودها خارج المسرح، وهى تكون أبلغ أثرًا عندما يعرف المراقب ما لا تعرفه الضحية. كذلك تتحقق المفارقة الدرامية عندما يعرف المراقب ما لا تعرفه الضحية. وهذا النمط من المفارقة متداخل بشكل أو بآخر مع ما يعرف بمصطلح «مفارقة الأحداث» والمفارقة الدراميةهي ((المفارقة التي ينطوي عليها كلام شخصية لا تعي أن كلامها يحمل إشارة مزدوجة: إشارة إلى الوضع كما يبدو للمتكلم, وإشارة, لا تقل عنها ملاءمة, إلى الوضع كما هو عليه, وهو الوضع المختلف تماما مما جرى كشفه للجمهور) ومن خلال قراءة العديد من نصوص الاستاذة فاطمة السنوسى نستطيع التقرير باستخدامها للمفارقة بوجه عام والمفارقة الدرامىة على وجه الخصوص فى نصوصها.

قراءة النصوص:

النص الأول :

(خلعت ثوب عافيتي لأنشره عليك..ما وجدتك..صار في الدنيا مريضان.)فى هذا النص الصغير الرحب، بكلمات قليلة جدا سردت القاصة المبدعة قصة حب خالدة صورت فيها شغف المحبين وتفانيهم واخلاصهم فى الحب، لكنها لم تورد تلك المعانى صراحة، بل فعلت كما يفعل الشعراء فى الإستعارة المكنىة ، حذفت ماتريد قوله وأشارت اليه باشياء وافعال من لوازمه، صورت امرأة عاشقة سمعت بمرض حبيبها، فهرعت حاملة ماتملك وهو عافيتها لتهبها له حتى ينهض من وعكته ويتعافى ولو هلكت هى، لكن المفاجأة كانت أنها سقطت مريضة هى الأخرى مثله، وفقدت عافيتها، وبذلك صار فى الدنيا مريضان، الدلالة هنا، انها حين عجزت عن وهبه عافيتها، شاركته الألم فسقطت مريضة مثله حتى لايتألم وحده، انها صورة شفافة وعصية على التكرار للحب وأحوال المحبين رسمتها ريشة مبدعة بذكاء مفرط،فالنص المخادع يبدو للوهلة الأولى رسالة من حبيبة الى حبيبها أو خاطرة عادية لاقصة فيها، لكن من يطبق منهجية البحث عن المفارقة لتحليل النصوص يدرك حين يرفض المعنى الظاهر الحرفى للنص، أن النص لها دلالةمخبوءة وكامنة وحين يبحث عنها تخرج قصة الحب المروية من بين السطور عملاقة هادرة كمظاهرة صاخبة ونرى الدموع تسيل على خد المحبوبة مثل حبات لؤلؤ أنفرط عقدها فأخذت في التساقط واحدة تلو الأخرى، ونشعر بالتياعها والحزن الذى اعتصر قلبها، ونراها تركض لتفدى حبيبها الذى تفتك به الحمى بنفسها، فتسقط فى منتصف الطريق مغشيا عليها ، يحملها المارة صوب المستشفى فتجاوره فى غرفة العمليات حين استعصى عليها أن تخرجه منها معافى ، حينها تبتسم ويدها الصغيرة تتسلل بين السريرين لتلامس يده. حينها نتساءل ( ماذا ارادت الكاتبة قوله بهذه الصور المفعمة بالمحبة والتفانى والشغف بالمحبوب؟) حينها تكون الاجابة هى ان القصة تمجد هذه القيم الجميلة وتدعو لتعزيزها وبقاءها فى عالم لاهث لايعترف بالحب ومشاعر المحبين، عالم يصنع القنبلة الذرية ويمتنع عن بناء أكواخ للمحبين ومستشفيات ولادة وحدائق لاجنود فيها ليتهامس فيها العشاق دون ان يزعجهم قانون العقوبات أو الطوارئ أو الدبابات أو القنابل، انها دعوة لتمجيد الحب فى الأرض واعلاء شأنه. وتطوف بالمخيلة قصة هدية عيد الميلاد للكاتب الأمريكى العصامى أو هنرى التى صور فيها قصة حب بين زوجين، جاء عيد الميلاد وكلاهما لايملك شيئا ليشترى هدية عيد الميلاد للاخر ، فباع الرجل ساعته ليهدى الزوجةدبوسا ذهبيا لشعرها الطويل، ففوجئ بانهاقد قصت شعرها وباعته لكى تهديه هدية ذات صلة بساعته.المفارقة فى تلك القصة مفارقة درامية مثل هذه، وفى النهاية أهدى كل من الزوجين الآخر شعورا لايقدر بمال الدنيا وكنوزها، تمجيد رائع للحب والمشاعرالانسانية هو هذا النص البديع لهذه الكاتبة الشفيفة.

النص الثانى:

(في قلب سحابة بعيدةحفرا مخبأ لحبهماامطرت السحابةانسكب الحب على المدينة)المعنى الظاهر لهذا النص ، عاشقان خائفان من ذيوع سرهما ( حبهما) تركا الأرض بما فيها ومن فيها، وحفرا حفرة للحب في جوف سحابة لحمايته من فضول البشر، لكن المفاجأة التى لم تكن في حسبانهما ولم تطف بخاطريهما تحققت حين هطلت السحابة مطرا على الأرض التى هربا منها وأخفيا حبهما عن أهلها، فتحقق عكس ما اراد العاشقان وذاع سرهماوانتشر في المدينة. القارئ قد يظن لأول وهلة من الفهم السطحى الظاهر للنص ان النص ليس بقصة، ولكن النص في الحقيقة قصة قصيرة جدا توافرت فيها كل مقومات القص القصير جدا،فالتكثيف حاضر بقوة، والمفارقة سيدة الموقف وتشمل كامل النص المراوغ الذى لايبوح بكامل اسراره الا اذا ادركنا المفارقة ومغزاها وتوصلنا الى المضمر المخبوء خلف الكلام السطحى الظاهر، المفارقةمفارقة درامية مثل قصة عقدة أوديب المشهورة التى اراد فيها الأب تفادى النبوءة فحققها من حيث لايرغب،بطلا القصة ارادا اخفاء عشقهما وتلك دلالة خفية على كون العشق محرم ممنوع وملاحق ومطارد في البلاد مثل المخدرات والسموم وماهو بمخدر ولاسم حتى يلحق به حكم التحريم الخاص بهما، محاولة اخفاء العشق اذا دلالة على مدلول هو القمع للحب في مجتمعنا الشرقى وتم حذف المدلول وتركت الدلالة عليه وهو (الإخفاء) ليستخلص منها القارئ الخفى والمضمر بين سطور القص، والاخفاء للحب في( السماء) دون غيرها لم يورد اعتباطا أو عبثا، بل أن له دلالتان: الأولى : هى ان الخوف من البشر، من الأرض، لا من السماء، فالأرض هنا دلالة على البشر . وهناك دلالة ضمنية هى ان البشر هم مصدر القمع الذى يخاف منه العشاق.الثانية: هى أن الخوف الذي يعترى العاشقين خوف من البشر، وليس من الله، ذلك أن الله لم يحرم الحب ولم يقمعه، بل حرمه البشر وقمعوه ولاحقوه بالهمس الظالم والظنون والصفات الحاطة من قدره برغم انه فطرة الله التى فطر الناس عليها وجعلها أساسا للتزاوج حين جعل السكينة الى الاخر من اسباب تشريع الزواج، وهل السكينة الى الاخر هى شئ سوى الحب؟! وفي الدلالة هنا حوار فلسفى طويل حول الحب والمفاهيم الخاطئة عنه. تتحقق المفارقة الدرامية فى النص حين تمطر السحابة فتخرج السر المخبوء بجوفها وتعيده الى الأرض مشاعا ً منتشرا على الجميع وهنا يتحقق عكس ما اراد العاشقان( أرادا الستر، فحدث هتك الأستار، أرادا الخفاء والإخفاء ، فحدث البوح والإعلان،أرادا الباطن ، فوجدا نفسيهما فى الظاهر) وهناك دلالات لهذا الإفشاء للسر من قبل السحابة:

الدلالة الأولى: أن مايخبئه الناس باعتباره عارا يستوجب المساءلة والقمع، هو خير عميم لاتستقيم الحياة بدونه، فبدون الحب والزواج والعطاء لاينبت شئ فى الأرض ولايتحقق التكاثر، تماما كما يحدث للطبيعة كلها، فالأرض بلا سحاب يجلب الخير لاتنبت شيئا.الدلالة هنا أن عدالة السماء نصرت الحب ، فوضعته في قلب الغيث وهطلت به على الكون كله حجة على الناس الذين انكروه وجعلوا أهله يخبئونه خوفا منهم.السحاب لايحمل في جوفه سوى الخير، اذن الحب خير مستفيض وليس شرا.

الدلالة الثانية:حين فر الحب الي السماءمن القمع وحيدا ليختبئ، تمت اعادته منصورا بالغيث الى الأرض معززا مكرما، علانية وليس خفية، وهذه دلالات خفية على النصرة والأنتصار. هكذا يخرج المضمر الخفى من بين السطور القليلة عملاقا ضخما لاحدود لجماله وقوته وتعدد معانيه الكامنة. وقد لاح لى هنا تناص ظاهر _مع الفارق_ بين خروج الحب من الأرض خائفا يترقب، وبين خروج سيدنا موسى من مدينة فرعون خائفا يترقب فى سورة القصص (: ( فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ( 21) وذلك بجامع الخوف من الظالمين فى كلا الحالتين.والاستعانة بالسماء فى كلتا الحالتين.والفارق الظاهر هو قتل سيدنا موسى عليه السلام نفساً.بينما المحبين لم يفعلا ذلك. هكذا ند ان استخدام المفارقة في النص كان استخداما مقصودا ومتعمدا وتم باحترافية عالية جملت النص واعطته أبعادا ساحرة وعمقاً.



النص الثالث:

(اخذت حبل وصلك المقطوع حاجزاً من شك وعقدة من خوف ونصبت مشنقة لحبككان الحب كبيراً ما طوقته المشنقةفشنقت اوهامى وحررت شهادة بقاء ابدي للحب الكبير)النص هنا نص مراوغ يقدم نفسه فى شكل رسالة حب برئية جدا موجهة الى الحبيب تفيده انها باقية على العهد، لكن يجب ملاحظة الكلمات( حبل) و(حاجز) و(عقدة)و ( مشنقة) و( شهادة) وملاحظة الافعال(أخذت) و(نصبت) و(طوقته) و(شنقت) و(حررت). المفارقة حاضرة في هذا النص بقوةممثلة فى أن الحبيبة ونتيجة للشكوك والظنون والمخاوف التى فتكت بها بسبب قطع الحبيب للتواصل قررت ان تحرر شهادة وفاة للحب بعد أن تنصب له مشنقة إفتراضية( بمعنى ان تحكم على العلاقة بالموت والإنتهاء بقرار من جانب واحد) وحين حزمت أمرها وقررت اتخاذ ذلك القرار فوجئت بأن مابينهمامن حب أكبر من حبال المشنقة التى نصبتها، توارت المشنقة خجلا، واكتشفت هى عظمة الحب وأنه أقوى من غضبتها العابرة وظنونها وهواجسها، لذلك وبدلا من كتابة شهادة وفاة له كما اعتزمت، قامت بتحرير شهادة خلود للحب. وهكذا انتصر الحب الكامن داخلها بلا( حبل) ولا (حاجز) ولا( عقدة) ولا (مشنقة) منصوبة ولا ( شهادة ميلاد أو وفاة) على كل أدوات القمع ممثلة في القرار المتعسف من جانب واحد ( الدكتاتورية) هى الرمز هنا، وكل ادواتها في القمع من طنون وهواجس وحواجز وحبال معقودة للشنق وللقيود ومشانق واجراءات بيروقراطية لاتضيف شيئا لحقائق الحياة الموجودة بدونها وباستقلال عنها ف ( الموت) و( الحياة) موجودان سواء صدرت شهادة ميلاد أو وفاة أو لم تصدر. مرة أخرى ينتصر النص للحب في مواجهة القمع وللحياة في مواجهة الموت وللحرية في مواجهة القمع.فاطمة السنوسى قصصيا هى خير معبر عن المرأة العربية وشوقها للحرية والحب ودفاعهاعنهما. نصوصها تنتصر دوما لإرادة الحياة في وجه ارادة الموت وارادة الحب فى وجه الكراهية.

النص الرابع:

(كتب إليها وكان على فراش المرض«لن أموت حتى لا تبكي فتحمر عيناك الجميلتان»لكنها حين قرأت الرسالةبكت.. فأحمرت عيناها الجميلتان)يبدو هذا النص قريبا من سابقه، فهو يصور تبادلا جميلا للمحبة بين عاشقين يخاف كل منهما على الآخر من النسيم، فهو يعدها وعدا مستحيلا( بأنه لن يموت) حتى لاتبكى فتحمر عيناها الجميليتان، فهو على فراش المرض لايخاف من الموت بقدر مايخاف عليها من البكاء وإحمرار عيناها!! كان قصده من الرسالة والوعد المستحيل تخفيف وقع خبر مرضه عليها، لكن الرسالة حققت عكس ما أراده، فقد تسببت في بكائها واحمرار عيناها!! وهنا تكمن المفارقة المدهشة والخاتمة المتوهجة، فكل ما أتخذه البطل من احتياطات لدرء الخطر عنها باء بالفشل وتحققت مخاوف البطل، فهل تحققت المخاوف لأن وعده كان كاذبا ومستحيلا؟ أم انه كان فى الأصل يقصد خلافا للظاهر أن تبكيه وتحمر عيناها؟ّ! ولماذا بكت هى هل أبكتها الرسالة والمشاعر المخبوءة فيها ؟! هل كانت الرسالة وداعاً مبكرا وحين وصلتها كان المرسل قد غاب غيابه الأخير لهذا بكت لأنه كان يفكر فيها حتى آخر رمق؟! أم أبكاها خبر مرضه وشعوره نحوها؟! تتناسل الأسئلة ولاأجابة حاسمة تلوح، لكن المؤكد والثابت ان المفارقة تحققت ونال البطل عكس ماتوقع وأراد. الملفت للنظر في هذا النص هو وجود أكثر من مكان وحدث في النص برغم تكثيفه، فالمكان الأول سرير المرض حيث البطل يكتب رسالته، المكان الثانى مكان الحبيبة وهو مجهول حيث قرأت الرسالة وبكت. هناك مقابلات جميلة بين الأفعال في النص فهو(كتب) وهى (بكت) يجب ألا تفوتنا ملاحظة التلاعب بالحروف ذاتها وصيرورة المعنى مختلفا، فالحروف نفسها تتكون منها الكلمتان السابقتان. وهناك (فتحمر) و(فاحمرت) ينطبق عليها نفس الشئ ، فالكلمة واحدة، لكن الأولى تعنى شيئا سيحدث ولم يحدث بعد، بينما تعنى الأخيرة شيئا حدث فعلا وانتهى. هذه المقابلات هى مما يميز أسلوب الكاتبة. المعنى الخفى للنص هو معنى بعيد جدا عن المعنى الظاهر أشارت اليه الكاتبة بدلالتين هما ( المرض) و(الموت) ، ودعمت الإشارة بتقنية (الإستباق ) أو التوقع لحدث ما قبل وقوعه،و (القدر) المشار اليه بما حدث فعلا. وبينهما زرعت محاولة لتفادى وقوع المتوقع. وبذلك كله نشأ صراع الارادات في النص، فالحبيب الذى داهمه( المرض) تذكر القدر المتربص (الموت) وخاف من أثره على الحبيبة( والتوقع لبكائها هو نوع من الاستباق) وحاول الحبيب منع حدوث ذلك الأثر بارسال رسالته تلك، ولكن القدر كان أقوى فتحقق ماخشى منه. المغزى الخفى هنا ان المرض والموت يتربصان بالحب الدوائر، وتبدو فرص النجاة معدومة من كلاهما مهما فعل المحبون لتفادى ذلك،فدوام الصحة محال والخلود محال، لذلك فأن الأفضل ان نتعايش مع حقائق الحياة ولاندع الهواجس تفسد علينا حظنا في الحياة.

النص الخامس:

(سألها عن مدى حبها له فأجابت بأنفاسك أحيا، فكتم انفاسه مداعبا فماتت!)هذا نص باذخ في تصويره لحقيقة الحب، فقد سألها عن مدى حبه لها فقالت له انها تعيش بأنفاسه، فظنها تتلاعب بالألفاظ وتتحدث مجازا، فكتم أنفاسه على سبيل المزاح، فانقلب المزاح ماساة ، ماتت البطلة وتبين أنها تعيش بأنفاسه فعلا، لكن البطل وقع ضحية المفارقة، فهو لم يك يدرى أنها تقول الحقيقةوحين حاول التأكد مزاحا فقد الحبيبة فلم يعد للحقيقة التى عرفها من قيمة فقد اصبحت مجازا! كانت الحقيقة أمامه فظنها مجازا، وحين أدرك أنها حقيقة لم يعد لها وجود وباتت مجازا.المغزى الخفى للنص ان الشك يقتل الحب الحقيقي، لأن الحب حين يحوطه الشك يتبخر مع الظنون ويبقى الهلام فقط. موت الحبيبة هنا مجازى وليس حقيقىا والمقصود به، ان الشك فى قلبه طرد حبه من قلبها، فبات قلبها ميتا تجاهه.

وهكذا تحذق الكاتبة تقنية المفارقة وتبنى نصوصها دائما على مستويين: ظاهر دال على آخر خفى، وخفى مدلول عليه ببعض آثاره وعلاماته.مع ملاحظة الأنسنة الدائمة للنصوص عند فاطمة السنوسى، فهى تكتب دوما عن الإنسان وصراعه فى الحياة وتنتصر للقيم الإيجابية وتدين القسوة والفظاظة والأوضاع المزرية التى يرزح تحتها الإنسان المعاصر.

النص السادس:

(تحاببنا بصدق، توحدنا..سألني صورتي..فأعطيته المرآة..) هذا النص روعته في في خاتمته، فالخاتمة عند فاطمة السنوسى تحمل اللغز وحله، المضمرودلالته القوية، الخاتمة عندها هى القنبلة الملقاة من طائرة والتى يتوهج المكان بضوئها فتلمح العين الإبرة فى كومة القش، لكن تلك الومضة قصيرة العمر، فهى لاتدوم طويلا ، ولكنها تتجد مع كل قراءة للنص.سؤال النص لماذا اعطته المرآة؟! الإجابة مضمنة في الكلمة السابقة لجملة (سألنى صورتى) وهى كلمة( توحدنا) المغزى هو قطعة احجية مخبوءة بين ( توحدنا) و(فأعطيته المرآة) وتفسيره بسيط جدا: توحد العاشقان صارا روحا واحدة وعندما سألها صورتها أعطته المرآة لان صورتها باتت محفورة فيه وداخله ولم تعد منفصلة عنه، فحين ينظر فى المرآة سيراها هى وبذلك لايحتاج الى الصورة وقد ملك الأصل!! يا للروعة. صراع الظاهر والخفى والدال والمدلول عليه فى قمته فى النص.



النص السابع:

(عبر منفذ صغير اقتحمت حياته..دخلت عالمه الرحب..استغرقتني كنوزه..ضاعت مني بوابة الخروج)المفارقة هنا هى مفارقة الورطة،فهى دخلت حياته بالصدفة(عبر منفذ صغير) ومن ثم اقتحمت عالمهالذى تبين لها انه (رحب) ومتسع وليس صغيرا كالمنفذ الذى دخلت به، واخذت تتجول فى هذا العالم وتكتشف في كل لحظة جديدا، حتى تاهت فيه ولم تعد تعرف كيف تخرج ، الورطة هنا تشير الى انها غيرراغبة في الخروج فقد اختارت الإقامة الدائمة ولم تعد بحاجة لمعرفة طريق الخروج، وهكذا نكتشف ان رسالة النص هى ان الورطة ورطة جميلة في الحقيقة ، بل هى اختيار واع مارسته. نلاجظ المقابلات في النص ( منفذ صغير) دخلت به( مقتحمة) ونلاحظ انها دخلت من (المنفذ) وليس( المدخل) وتقا بل ( المنفذ الصغير) ( بوابة الخروج) المخصصة أصلا للخروج وهى بوابة كاملة وليست منفذا صغيرا، الإشارة هنا الى كونها تسللت الى حياته وطابت لها الإقامة ورفضت الخروج لكنها تتظاهر بانها تائهة عن بوابة الخروج عمدا. الإشارة هنا الى كونها تسللت الى حياته وطابت لها الإقامة ورفضت الخروج لكنها تتظاهر بانها تائهة عن بوابة الخروج عمدا.الخفى فى النص هو أن الحب لايطرق الباب ولايستأذن أحدا عند الميلاد، فهو يأتى كالعاصفة بلا ميعاد، لكنه لايرحل سريعا كالعاصفة والبرق، بل يبذر بذوره فى المكان ويركل عصا الترحال ومفتاح الخروج ويبقى سيدا للدار والمكان. انه تمجيد آخر لعاطفة نبيلة.



النص الثامن :السخرية المرة وثنائية الحب والقمع:

(اقتادوه إلى مركز الشرطةلأنه حين يذكرهاينبض قلبه بعنف مسبباً الازعاج العام.)خلافا للعادة المتبعة عند فاطمة السنوسى وهى ان تبدأ بايقاع هادئ ثم يتصاعد الإيقاع كلما اقتربنا من النهاية حيث يبلغ قمته، فى هذا النص بدأت من أعلى نقطة(اقتادوه الى مركز الشرطة) حتى يثور السؤال في الذهن مباشرة( ماهو جرمه؟) فيأتى الرد العجيب المدهش (لأنه حين يذكرها ينبض قلبه بعنف مسبباً الازعاج العام) !!!! وعلامات التعجب من عندى.ينتهى النص وتتقافز الأسئلة الموجعة (أى بلاد هذه التى تعتبر الحب جريمة وضربات قلوب المحبين جريمة تسبب الإزعاج العام وتستوجب الإقتياد الى قسم الشرطة؟!) ان المفارقة هنا تتفق مع تعريف بعض النقاد لمصطلح المفارقة بما يفيد انها السخرية الواعية والتهكم المقصود الذى يخبئ في ثناياه رسائل كامنة ودلالات.فالنص تهكمى ولكنه يحوى نقدا مراً لأوضاع تساوي بين الحب والجرائم الموصوفة في قانون العقوبات وتقتاد المحبين الي اقسام الشرطة لاسباب مضحكة ونتذكر ان النص كتب بعد تجربة قوانين سبتمبر 1983 في السودان التى أثارت الرعب في الشوارع وبات السير في الشارع مع فتاة أو سيدة شبهة تبرر الاستيقاف والاقتياد الى قسم الشرطة، فجاء النص ساخرا من تلك الأوضاع مفلتا من الرقابة باعتماده المفارقة والسخرية لاخفاء مغزاه الحقيقي. انه نص يشكل امتدادا لثنائية الحب والقمع الموجودة فى معظم نصوص فاطمة السنوسي والتى تعبر عن هموم المرأة والشباب السودانى في حقبة مظلمة من التاريخ شهدت انتهاكات رسمية جسيمة للحريات الشخصية وشكلت قطيعة مع إرث سودانى عظيم من التسامح وسيادة روح سودانية لاتعتمد الشك أساسا للتشريع ومحاصرة الحريات.

النص التاسع:(الطرفة والمدح بما يشبه الذم والذم بما يشبه المدح)

(قرأت مرة بالصحف إعلاناًمن دائرة الشرطة برصد مكافأةلمن يدلهم علي رجل يملك إمتاعالعقل والروح والعين والفؤادفي لحظة واحدة..خنت حبيبي..أرشدتهم إلى مكانه وقبضت المكافأة)

فى هذا النص تلجأ فاطمة السنوسي الى مفارقة تعتمد على الطرفة والمدح بمايشبه الذم والذم بما يشبه المدح للايحاء بالمضمون المخبوء بين السطور والمموه جيدا،فهى تريد أن تتحدى ادوات القمع ممثلة فى الشرطة وتجاهر امامها بحبها علنا دون ان تعاقب ودون ان تفهم الضحية( الشرطة) انها موضع سخرية وتندر،فصاغت النص بحيث يفهم من ظاهره أن الشرطة اعلنت عن حاجتها لرجل تنطبق عليه مواصفات حبيبها ولأن الشرطة تعرف ان الشعب لن يتجاوب معها بلا مقابل فقد اعتاد الشعب انها تقبض على الناس وتعرض المكافآت مقابل ارشادها على المطلوبين ولن يصدقها ان قالت انها تريده لطلب برئ، لذلك قرنت الشرطة الإعلان بمكافأة لمن يرشد عنه( لم تنس اداة القمع اساليبها السيئة فى افساد الناس) هذه هى الإشارة الخفية، ومن ثم قامت البطلة بخيانة حبيبها وأرشدت الشرطة عنه وقبضت المكافأة، هذا على حد تعبيرها وظاهر القصة، لكن القصة تفيض سخرية فمن تخون حبيبها لاتتغزل فيه وتصفه بأنه(رجل يملك إمتاع العقل والروح والعين والفؤادفي لحظة واحدة..) والشرطة لايمكن ان تصف مطلوبا لديها بهذه الأوصاف، ولايمكنها ان تتحول فجأة من أداة مهمتها قمع المحبين ومطاردتهم في الشوارع والحدائق العامة بالسياط والهروات ، الى حمامة وديعة ورسول سلام يجمع شمل العشاق ودور رسول المحبة، إذن ماذا تقصد الكاتبة بهذا النص؟ هل خانت حبيبها فعلا؟ هل الشرطة بحثت عن رجل بمواصفات حبيب؟ هذه الاسئلة تقودنا الى قناعة راسخة بان النص لايجسد حقيقته ، انما يحتوى على رسالة مخبوءة ومضمرة مفادها ان الشرطة يجب ان تكون في خدمة الحب وليس هراوة في وجهه، وانها يجب ان تكف عن ترويع العشاق وافساد الناس بالرشاوى والقمع ويجب ان تكون اداة محبة لا كراهية . وهكذا تتوغل فاطمة السنوسى مجددا فى ثنائية الحب والقمع وترفع زهور الحب الملونة في وجه القيود والهراوات الغليظة.

النص العاشر: الأمومة محبة طاهرة( مفارقة الطرفة والإدهاش)

(يضحكنى حبيبى فهو قصير القامة جدا ،مستدير الوجه جدا ،صغير الوجه جدا ،يفشل فى تقبيلى لاننى عندما انظر اليه انفجر بالضحك احببته معنى..همت به حقيقة اعطيته الحياة.. اطال لي حياتى، نادانى.. ياماما ناديته ..يارجل، فقد بلغ من العمر .. ثلاث سنوات)

تقدم فاطمة السنوسي فى هذا النص الرائع صورة تتدفق أمومة وحياة تجسد فيها مشاعر أم تجاه طفلها، وتتمهل في السرد عمدا لتوحى للقارئ والمستمع انها تتحدث عن حبيب وعن علاقة حسية نوعا ما وتخبئ مفاجأتها حتى النهاية عند جملة( فقد بلغ من العمر ثلاث سنوات) التى تنفجر فى وجهنا كقنبلة ،لنكتشف ان من تتحدث عنه الراوية هو محض طفل صغير هو طفل الراوية نفسها، فنضحك. وكان حقيقا بنا أن نبكى على أنفسنا، فقد غررت الراوية بنا جميعا واستدرجتنا الى فخ أعدته بعناية وعلى مهل، فحتى عندما ناداها( ياماما) لم نظن انه طفل وكنا لازلنا ننتظر مزيدا من أسرار تلك العلاقة التى انصرفت أذهاننا إليها..وثمة ملحوظة هنا وهى أن ورود الطرفة والإدهاش في الخاتمة كان هو مركز الثقل في القصة ولحظة الكشف المفاجئ الصادم وليس التقرير، مع إن البوح بشخصية الحبيب يعتبر تقريرا، لكن فى سياق القصة لم يكن ذكر شخصية الحبيب شرحا للقصة أو لمغزاها، بل كان هو لحظة الصدمة وأداتها وأداة الكشف عن المغزى، فالطرفة هنا ليست مقصودة لذاتها، ولكن بهدف السخرية من انصراف ذهن الناس كل ماجاء ذكر الحبيب والحب إلى علاقة حسية بين رجل وامرأة، النص يقول لاتعتقلوا مارد الحب ومفهومه الكبير فى زجاجة الأفكار المسبقة ولا تختزلوا الحب في العلاقة الآثمة بين رجل وامرأة، لاتبحثوا عن سر مخبوء خلف كل استخدام لكلمة حبيبي.باختصار سخرت الكاتب من المجتمع بأكمله وأخرجت لسانها له فى آخر جملة في القصة.

النص الحادى عشر( نوستالجيا الحنين فى لوحة )

(في مطار ناء فخم وأنيق رأى حقيبة متهالكة،فبكى وضج في اعماقه الحنين ،لم يعرف الحقيبة لكنه عرف ذرات التراب التي على الحقيبة)تعزف فاطمة السنوسي ببراعة علي أوتار الحنين في هذا النص وتتنقل ببراعة بين المعنى الظاهر للنص الذى يجسد حالة فردية لشخص غائب عن وطنه وتشير اليه بضمير الغائب وتورد حالته ولاتصف ملامحه ولاتعطى أى معلومةعنه، ربما لتؤكد بصرامة على أنه نموذج مختار ليمثل قطاعا واسعا من الناس أو مفهوما وأنه رمز وليس شخصا معينا بالذات، ونشعر ان هناك معنى ومعانى مستترة بين السطور الظاهرة،فالرجل الذى هو فى مطار بعيد وفخم نعرف انه لاينتمى لتلك البلاد البعيدة فهى منفى اجبارى بالنسبةله، والحقيبة المتهالكة المجهولة بمعنى انها تخص غيره عليها ذرات تراب عرفها صاحبنا هى دلالة على انها حقيبة تخص مهاجرا جديدا قادما من ذات الوطن الذى قدم منه الرجل، بمعنى انه قادم جديد ذكر الرجل بماضيه ، بيوم بعيد جاء فيه من الوطن بحقيبة متهالكة عليها ذرات تراب حملها صاحبها عمدا لتذكره بالوطن أو صاحبته سهوا، وفى الحالتين لاتغنى تلك الذرات الصغيرة من تراب الوطن عن الوطن، لكنها ذكرت الرجل بلحظاته تلك بشجنها وحزنها ومرارتها، فبكى وطنا نائيا بعيدا أكرهته الظروف وأجبرته على مغادرته. الرجل في الحقيقة نموذج لعشرات الألوف بل مئات الألوف من السودانيين الذين تخطفتهم المنافئ الاجبارية بسبب الظروف القاسية في بلادهم على امتداد فترات الحكم الوطنى، فجميعها بلا استثناء عجزت عن وقف نزيف الهجرة وعجزت عن توفير حياة كريمة لابناء السودان. النص انشودة مطر حزينة مماثلة لصرخة السياب في الخليج حين داهمه الحنين الي العراق فشرع يبكى شعرا:

مطر ..

مطر ..

أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟

وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟

بلا انتهاء – كالدَّم المراق ، كالجياع ،

كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !

ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ

سواحلَ العراق بالنجوم والمحار ،

كأنها تهمّ بالشروق

فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ .

أَصيح بالخليج : " يا خليجْ

يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى ! "

فيرجعُ الصّدى

كأنّه النشيجْ :

" يا خليج

يا واهب المحار والردى .. "

أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السّهول والجبالْ ،

حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ

لم تترك الرياح من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ .



مفارقة التحول والذوبان فى الآخر عند فاطمة السنوسى:

تتكرر عند فاطمة السنوسى مفارقة التحول وهى تقنية تلجأ فيها الراوية الى تقمص شخصية الحبيب ثم ترصد رد فعل الآخرين.(وضعت قلبي على لساني لأكون صادقة القول ولأنك ملء القلب تلونت بك كلماتي فأصبحت إمرأة عذبة الحديث) فى هذا النص الساحر فاض شعورها بالحب تجاه الحبيب فوضعت قلبها على لسانها حتى تأخذ من صدقه المستقر بقلبها صدقا، فكانت النتيجة أن كلماتها تلونت به فأصبحت فى نظر الآخرين (عذبة الحديث)، انها تبحر صوب ضفافه الآمنة بإصرار ، هى تبحث عن الذوبان فيه مثلما يذوب جدول صغير يحمل ماء عذبا فى النهر. وتتكرر المسألة نفسها في نص آخر مشابه:(وضع طپيپهآ آلسمآعة على صدرهآ .. نظرت آليه معآتپه.. إستدرگ آن قلپهآ لم يعد معهآ فوضع آلسمآعة على صدره)في هذا النص الأخير تعلن التحول للاخرين وتلزمهم به، فهي تجبر الآخرين على رؤية الحب ، هى لاتخبئه هنا في جوف سحابة ، بل تجاهر به وتفرض على الاخرين احترامه، ان العاشقة تتحرر من الضغوط وتنتقل الى مواقع الهجوم بدلا من مواقع الدفاع. وفى نص آخر تقول:

(في قاعة الدرس تجاورنا(اخذ قلمي مرةولم يرده..اخذت عقله ولم ارده ،على هذا الحال تخرجنا،مر الزمن.. ونسيت قلمي غير انه ما زال يبحث عني عله يسترد لبه المفقود)

في النص أعلاه لاتكتفى بقلب الحبيب بل تأخذ لبه معها، وأخذ هو قلمها فى المقابل، المقارنة معدومة، فالقلم اداة والعقل هو كابينة القيادة، هى المنتصرة اذن.وفى نص آخر تجملت بالحب وخرجت للشوارع ، فكانت النتيجة مبهرة ومدهشة:(على الطريق العام كنت أسير ذات يوم وأفكاري معك..عاكسني أحد المارة ممتدحاً جمالي..أدركت في الحال أن الحب الذي يملؤني..قد فاض على وجهي..) النص فيه تناص مع مقطع للقاص بشرى الفاضل بعنوان (البنت التى طارت عصافيرها) يقول المقطع(خرجت من عندها ممتلئا بها حتى غازلنى الناس فى الشوارع)

اكتمال التحول:

فى هذا النص بلغ التحول والذوبان فى المحبوب قمته، حين باتت ترى بعيون حبيبها وقلبه( اكتمل الذوبان) (في وسط السوق..شاهدت منظرا أدمى قلبي..فرأيت حماية لقلبي أن أضعك على عيوني.. وأنظر الدنيا من خلالك..ما أن فعلت ذلك..حتى رأيت شحاذاً يعترض المارةيعطيهم ولا يأخذ منهم)المخبوء فى هذا النص هو انها حين نظرت بعينيه رأت العالم ورديا وسابحا فى الجمال عملا بمبدأ كن جميلا ترى الوجودجميلا، فقد رأت بعينيها ما أدمى قلبها، وحين نظرت من خلال المحبوب رأت مشهدا غاية فى الروعة والجمال:رأت شحاذا يعترض المارة ويعطيهم ولايأخذ منهم شيئا!! هل ثمة جمال فى الكون مماثل لهذا الوضع المقلوب؟جمال الوضع المقلوب هذا معناه ان الحب يطهر القلوب ويجعل العالم مكانا جميلا. نصوص فاطمة السنوسى تبقى موسيقى حالمة وصورا رائعة من الحياة تعزف فيها قاصة متمكنة على سلالم المفارقة بذكاء وإدراك عميق لأدوات عملها مما جعل من تلك النصوص نصوصا ذات قيمة فنية عالية فهى تجسد ابداعا مميزا ومتعة لاحدود لها. والمدهش ان النصوص من حيث المضمون تعالج بإصرار أوجاع العالم الداخلى للإنسان، تعكس معاناته وجوعه للحنان وتشرده فى عالم متحجر القلب لايرحم ولايعترف بالحب والرحمة وتسود فيه القسوة والفظاظة والعنف، فتشيد الكاتبة بنصوصها عالما موازيا ، رقيقا في عبارته، حالم الإيقاع، له نزعة انسانية واضحة تتجلى فى تقديس الحب والتبشير بالمحبة وفضح كل فظاظة موجودة فى الأرض وتمجيد قيم الجمال والحرية والكرامة الإنسانية.

الثانى والعشرين من نوفمبر 2013