سجل إعجابك بصفحتنا على الفيس بوك لتصلك جميع مقالاتنا

بحث فى الموضوعات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرازق أحمد الشاعر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرازق أحمد الشاعر. إظهار كافة الرسائل

السبت، 27 ديسمبر 2014

المقالات الاجتماعية: فردوس بلا دماء بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

في نيجيريا، عليك أن تحمل خرقة بيضاء في طيات ثيابك كلما رحت أو غدوت، فالموت يتربص بالسائرين فوق تربتها الملتهبة لاسيما عند حدود التماس. والرب في عرف الباحثين عن الفردوس الموعود هناك يسخط دائما ويغضب أبدا، ولا يهدأ إلا حين يسكب تحت قدميه المقدستين نخب الدماء في جماجم هشة. والضعفاء في نيجيريا يحبون الحياة كما يحبها المُخلِّصون المخلِصون، لكنهم يُكرهون على التبرع بأعمارهم قسرا عند أول سوق يعج بالباعة الجائلين. 

الموت في نيجيريا قدر حاولت أن تتمرد عليه فتاة كانو التي رفضت التنازل عن ربيعها الثالث عشر من أجل جنة بربوة لم تكد تراها. ورغم إصرار أبيها أن الجنة تحت كعوب البنادق، أبت الفتاة أن تلف حزام الموت حول خصرها لأنها لم تكن ترى الله في آخر نفق العنف هناك. كانت الصغيرة تعشق إلها آخر يأمر بالمعروف وينهى عن العنف، ويخرج الحي من الميت وينزل الغيث من السماء فينبت كلأ يأكل منه الطير والدواب والبشر من كل ملة وجنس ولون. 

كانت فتاة كانو تحب الجنة كما يحبها أبوها، لكنها كانت تحب الحياة أيضا. لهذا، رفضت أن توزع هدايا بوكو حرام الحرام على محبي الحياة في سوق مكتظة. "حين طلبوا مني أن أقتل نفسي لأدخل الجنة، وأن أفجر قنبلة وأرحل، قلت أنني لا أستطيع." هكذا خاطبت الفتاة ببراءة مدهشة عيون الكاميرا التي تلصصت على جرح ساقها وشفتيها المتيبستين. 

رفضت فتاة كانو أن تلبس حزام الموت وتخلع إنسانيتها. وفي سيارة الأجرة التي حملتها إلى المشفى، وضعت حزامها المفخخ فوق المقعد، ثم أخبرت سائق السيارة في هدوء غير مفتعل أن سيارته الصغيرة تحمل عبئا كبيرا، ثم تركته وانصرفت. وبعد لحظات، كانت الشرطة تحيط بالمشفى، وكانت الفتاة تنظر في وجوه القوم وهي لا تكاد تصدق أنها على قيد الألم.

لم تلحق فتاة كانو برفيقتيها اللتين ذهبتا بحزامين ناسفين فجر العاشر من ديسمبر ولم تعودا بشيء. ولم توزع قربان الجنة الموعودة شظايا بشرية فوق الطرق وسلال المارة. لم تقتل ابنة الثالثة عشر ربيعا أربعا وتصيب سبعا كما فعلت صاحبتاها، لكنها تثق في أعماقها أنها ستسبقهم إلى الجنة دون أن تضطر إلى التخاذل عن طفولتها بصكوك غفران يمهرها شيوخ بوكو حرام. 

ذات صباح، هاجم موزعو الصكوك أطفالا في مثل عمرها، وسبوا مئتين وست وسبعين طفلة لا تزال أغلبهن في عداد المفقودات حتى اللحظة. ولا تدري فتاة كانو إن كانت الفتيات قد سبقنها إلى الجنة، لكنها تعلم أن الله الذي خلق الأنفس لم يوكل أحدا من خلقه بإزهاقها، وأن طريق الجنة محفوف بالمكاره لكنه ليس ملوثا بالدماء، وأن دماء البشر دنس لا يجوز استرضاء الرحيم بإهراقها فوق أعتابه المقدسة. 

تشعر فتاة كانو في أعماقها بحزن طفلة لأنها لم تستطع أن تضع جبينها فوق تل الهرج لتمنح أباها مدية غير مقدسة ليذبحها من الوريد إلى الوريد، لكنها تعلم علم اليقين أن كبش الفداء لم يكن لينزل من السماء ليفتديها إن هي فعلت، لأن ما رآه أبوها في منامه لم يكن وحيا، وإنما أضغاث أحلام فرضها واقع نيجيري كئيب على شطري بلاد تمارس حربا غير مقدسة وغير عادلة ضد إله لم يأمر إلا بالرحمة والعدالة والحب.

السبت، 15 نوفمبر 2014

المقالات الاجتماعية: الفنزويليون، والدمى المنتفخة بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

في فنزويلا، قرر تجار الملابس الجاهزة أن ينشروا غسيلهم القذر فوق الدمى، وأن يعرضوا، دون حياء، أخطر قضية تؤرق ضمائرهم المتعبة. فإن حملك كاحلاك يوما إلى أرصفة كاراكاس، فلا تمدن عينيك إلى واجهات المحلات، ولا تفكر في شراء ثياب لطفلتك المراهقة من دكاكينها الفارهة، فثياب المراهقات هناك فضفاضة كأخلاقهن، وبطونهن أكثر انتفاخا من صنم بوذا. 
في شوارع كاراكاس، تتبادل المارات أمام البوتيكات الشهقات والنظرات الزائغة، وتتشابك أصابعهن فوق أحداقهن لإخفاء ما بدا من خجل مستحق فوق وجوههن المشربة بحمرة الخجل. "لو كنت أما، لما تمنيت لطفلي أن يرى شيئا كهذا، إنه لشيء فظيع،" لكن شهقات كيلي هرنانديز، بنت الثمانية عشر عاما، لم تلق من أصحاب الفكرة الصادمة إلا السخرية، لأنهم لا يرون أنهم أصحاب الصدمة ولا المروجين الفعليين للعار. 
في كاراكاس، لا يتوارى صناع الدمى خلف بطونها المنتفخة، بل يمسكون بثياب المدارس فوقها يعرضون بضائع مجتمعهم القذرة أمام المشاة الذين ظلوا دهرا يوارون سوءاتهم ولا ينظرون إلى بطون فتياتهم، إلا على استحياء، حتى لا تهولهم الكارثة. "ويل لمجتمع تصدمه الدمى المنتفخة، ولا تحركه بطون فتيات المدارس الحبلى بالرذيلة،" تقول ثالما كوهين مديرة إحدى الجمعيات الخيرية، والمشرفة على تصميم الدمى المنتفخة، وتضيف: "نريد لهذا الأمر أن يصبح حديث المدينة."
لكن المراقبين لا يتوقعون أن تأتي فكرة ثالما الصادمة بخير، لأنها ليست الفكرة الأولى من نوعها في مدينة يتقلص عفافها كل يوم آلاف الهكتارات. في عام 2012، عرفت فاترينات المدينة حملة أخلاقية مماثلة، فوقفت دميتان منتفختان خلف الزجاج وهما ترتديان ثياب حفلة راقصة لتحذرا فتيات كاركاس المحبات للرقص من التخلي عن رشاقتهن لأجل ليلة حمراء. كما قامت منظمة "الطريق المتحدة" ببيع حفاضات الأطفال عن طريق ماكينات البيع بالمدارس لتنبيه الفتيات إلى أعباء التخلي المبكر عن غشاء البكارة. لكن نسبة الفضيلة ظلت تتراجع أمام شهوات الجسد حتى سجل البغاء نسبة غير مسبوقة بين طالبات الثانوية في فنزويلا.
صحيح أن العرض المستفز لم يحظ بغضب شعبي جارف كذلك الذي فجرته لوحات منظمات الفضيلة في أمريكا، والتي وزعت على محطات مترو نيويورك العام الماضي صورا مريعة، لكن المرجح أن البطون البلاستيكية المنتفخة سوف تثير جدلا ونزاعات أسرية حادة بين أفراد عائلات قلما يلتقون. والمرجح أن تمتد حملة الدمى المنبعجة أكثر مما خطط لها أصحابها وأن تتجاوز سقف الشهر وحدود المكان.
في فنزويلا، قرر الساخطون على عهرهم أن يرفعوا رؤوسهم قليلا ليروا بطون الفضيلة وقد تعرت تحت ملابس التحرر المزعوم، وقرروا أن يحفظوا ما تبقى من أغشية طهر في بلاد نسيت فضيلتها، وركبت قطار العهر حتى استوقفتها البطون البلاستيكية المنتفخة. وفي كاراكاس، تستطيع كيلي هرنانديز أن تضع يدا فوق فاهها المفغور وأخرى فوق عينيها المتلصصتين وأن تطلق صيحة استهجان في أسواق بلادها الصاخبة، لكنها لن تستطيع أن تغمض عينيها وهي تمر أمام مدارس الفتيات ساعة ذروة. 
ربما يكتفي الفنزويليون بسب أصحاب الفكرة، وغض أبصارهم وهم يمرون أمام فاترينات المحلات المستفزة، لكنهم لن يستطيعوا مواجهة مآزقهم الأخلاقية إلا بالتوقف قليلا عن الانفعالات المكرورة والادعاءات الرخيصة، والتعامل بموضوعية تامة مع قياسات فتياتهم عند الخصر وفوقه.

الأحد، 9 نوفمبر 2014

المقالات الاجتماعية: السيف ينتصر بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

يمكنك أن تمارس السقوط، وأنت تحمل فوق رأسك خبزا لا تأكل منه الطير ولا البهائم. لتتحول إلى نجم لامع دون أن تضيء. فالخارجون على نواميس الخرائب لا تنبت بين أعشاب صدورهم رائحة الياسمين. والقادمون من أحراش الغزاة يعلمون الناس التغوط حول مدارسهم الخربة. يمكنك أن تنتظر كي ينبت البياض في رأسك قبل أن تعود، لتحصد الفراغ والعدم. وحين تقف أمام بوابة بيتك القديم، وتنظر بعينين شاخصتبن نحو قفلها الصدئ، وترى الظلام يسيل من بين شقوقها العتيقة، فاعلم أنك لست غاندي، ولن تكون المسيح. وأن الأموال التي اشتريت بها الأحبار والأوراق وجدران المدارس لن تغير من عقيدة البؤس شيئا، وأن كوابيس الفجيعة التي انتصرت ذات يأس على خرائط حلمك ستلاحق أناملك الراعشة فوق مقودك الأزغب. 

كان جريج مورتنسون يعلم جيدا وهو يغادر أفغانستان أنه سيعود يوما إلى طرقها الموحلة، وأنه سيقف حاسر الرأس عند بوابة بيته العتيق ينتظر من يرد على وجيب قلبه اللاهث، لكنه لم يكن يعلم أنه سيعود في سيارة دفع رباعية، وأن أحدا من أهله لن يكون في استقباله هناك. جريج مورتنسون الذي ملأ الدنيا بصيحاته المفتعلة، واستدر ببلاغة حرفه وعذب بيانه شفقة الغزاة، استطاع أن يجمع في رصيده البنكي أصفارا يمينية متطرفة، وأن يبعثر أربعة ملايين نسخة من كتابه "ثلاثة أكواب من الشاي" فوق الخرائط، وبكافة الألسنة. لكنه اليوم يحس بثقل في قدميه الناعمتين، ولا يستطيع النزول إلى وحل طريق لطالما تعمد به، ولا يستطيع أن يفتح بوابة بيته القديم، ولا يستطيع إلا الانتظار.
"لعلهم ذهبوا لحضور عرس قريب،" وأناخ الأشيب رأسه فوق زجاج سيارته المعتم، وغط في ذكريات حزينة. "هنا أنتمي،" وألقى نظرة يائسة فوق مرآته المقعرة. "هناك، في الخلف البعيد، شيدت مدرسة ذات يوم .. أين بالله ذهبت جدرانها ولافتتها الملونة؟" "وأين" تساءل العجوز "فتيات كابل التي أفنيت لأجل تثقيفهن زهرة شبابي؟" 
ونسي العجوز أن لأوباما، الذي تبرع لمؤسسته الخيرية ذات يوم بمئة مليون دولار، مطلق الحرية في التشييد والهدم، وأن نوبل الذي يبني، قادر على العودة بالتاريخ إلى زمن الخسف. نسي العجوز أن مواسم الثورة قد انتهت، وأن أهل كابول لا يستحقون رفع رؤوسهم عاليا لأن نوبل لم يكن يوما أفغانيا، وأن المدارس التي فتحت أبوابها لفتيات كابول قد تضيق بأحلامهم المستحقة. نسي مورتنسون أن النشطاء فاعلون جدا في زمن التيه، وأنه بعد انتهاء زمن الصخب، لن تدخل الأفغانيات مدارسه إلا لنصب خيام الإيواء وإسعاف الجرحى.
لم يذهب القوم زرافات لحضور عرس كما ظن الرجل، كما ولن يخرج من صحن الدار أحد، ولن يقف الصغار عراة خلف شقوق الباب ليختلسوا النظر. فقط، سيجلس مورتنسون خلف مقود سيارته يناشد الله أن يحيى قريته بعد موتها، لكن أفغانستان لن تعود رغم مناشدته، إلى الحياة ولو بعد مئة عام. لأن عزيرا لم يكن ناشطا يسطو على أحلام البسطاء فوق وحل بلاده الممتد، ولم يغادر من يمين الوطن إلى أقصى اليسار ليقود سيارة دفع رباعي في خاصرة الوطن.
في بلادنا سيارات كثيرة لا ينتظرها أحد، ووجوه عابسة تنتظر عودة الراحلين، لكن أفغانستان التي قلب بوصلاتها هدير الطائرات المغيرة لا تستطيع محاربة الأزيز بالكلمات، ولا تستطيع الانتصار على القنابل بالكتب كما بشر مورتنسون، فالسيف أصدق في سنن التاريخ من كل الأحبار، والحزن أقدم من شقوق بوابة الزمن العتيقة. سينتظر جريج طويلا إذن خلف مقود سيارته، لكنه لن يرى خلف أكوام الحجارة بعثا، ولن تخرج فتيات كابول من تحت أنقاض الجرائم متأبطات كتبهن البالية، أو سفره المفبرك الكاذب. وستظل أفغانستان تحت عجلات سيارته الفارهة موحلة، موحشة وبائسة.

الأحد، 19 أكتوبر 2014

تاريخ: التاريخ يكذب، ويجامل‎ بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

يوم انقلب سينيكا على تراجيدياته، وأخرج إلى العدم من باطن التاريخ تنينا يتنفس قبحا، كان عليه أن يختار موتة سنمار تناسب وجهه المتغضن، لكن عروق الرجل التي تلوت أكثر مما يجب تحت جلده الرقيق لم تطاوع شفراته الحادة، مما اضطره إلى غمس عروقة الباردة في ماء دافئ. وعندما تفجرت مصبات الحكمة لزجا وفاقا، تنفس أهل روما الصعداء. وفي غرفة الغاز نفسها التي أشعلت فتيل روما، تحول الجسد الهرم إلى دخان وكربون ورائحة لا تطاق.
أما التاريخ الذي وثق حريق روما بالجرافيتي والأحبار السوداء، فلم يستطع الوقوف هازئا عند رأس نيرون، لأنه كان مجرد معتوه يلعب بالثقاب فوق جسد بناه ومجد شيده. فليذهب سينيكا إلى الجحيم، وليعزف الناجون من غرف الدخان من أوتار قيثارة الموت نشيدا وطنيا يمجد من بنى وشيد وحرق. وليغفر من بقي حيا لمن بقي ميتا رائحة الموت التي تنبعث من كل أرجاء الوطن. ولتعش روما ومن بنى وهدم.
من يستحق الانتحار أيها التاريخ القادم من سفر البداوة: أولئك الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، أم الذين يوحون إلى أوليائهم ليزدادوا إثما؟ وكيف تشمت صفحاتك الصفراء وآلاف المشيعين بمن خطط لنسف روما، بينما تسقط من أوتار قيثارتك الصاخبة كل خطايا الطغاة، وإن كانت بحجم زنا المحارم وقتل ذوي القربى الذين لا حول لهم ولا جدار؟ فليعش نيرون بين حروفك الملتوية المتعرجة آلاف الصفحات، وليذهب البائسون الذين لم يسمعوا صوت قيثارتك الرتيب إلى إخمص الصفحات ليزدادوا كمدا.
سيقول المخلفون من المؤرخين لولا وسوسة سينيكا، لما تحول ملاك روما البرئ إلى تنين عازف، لكن صغار الأيك، والعصافير التي شمت روائح المهانة تنبعث من أكباد أفراخها تعرف أن سينيكا لم يكن سوى شيطان قنينة حبسه نيرون ليرتشف سقطات حكمته كلما تعطش للدماء، كانت يهودية المنبع أو رومانية الهوى. ليمت سنمار آلاف المرات، لأن التاريخ قدر عليه الموت بعد أن كتب رسائل حكمته اللزجة ليمهر بها خطايا الشيطان.
من يدفع ثمن البؤس الذي تعانيه الشعوب أيها الباحثون في أوتار الحرائق عن مبررات عتق؟ وكيف يرقص على أحبار المؤرخين من زكمت أنوفهم رائحة الحرائق؟ كيف نقنع الواقفين فوق براكين الحزن وأطلال الفرح أن سينيكا يستحق اختيار الموت، وأن نيرون الذي زنا بأمه قبل أن يقتلها كان مجرد ريشة طيعة في يد سينيكا المعروقة.
في بطون الكتب، سيجد القانونيون ما يفرقون به بين الأصابع وأعواد الثقاب، وسيلوون رؤوس الكلمات ليصبح سنمار حديث المجالس، ويتحول نيرون بجرة قلم إلى مجرد نغمة حالمة تتردد أصداؤها في ربوع وطن يحترق. سيموت سينيكا، ويموت نيرون، لأن التاريخ الذي أجل حتفهم حتى نهاية روما ما زال يحيك سلاسل الأكاذيب ليضعها فوق جيد الجندي المجهول الذي ظل يبكي روما حتى الوتر الأخير.
التاريخ ينسى، ويجامل، ويغمض عينيه ويدير ظهره وقفاه. لكن رائحة الدخان والشواء أصدق أنباء من دماء سينيكا وقيثارة نيرون. ولسوف تظل روما لابسة ثوب الحداد ترفل في سوادها آلاف الصفحات حتى يغير المؤرخون ألوان مدادهم ومصباته. أما القابعون خلف جدرهم السوداء ينتظرون عدالة القضاة، فلربما ينتظرون طويلا ..

الجمعة، 26 سبتمبر 2014

مقالات اجتماعية:كل الرؤوس سواء بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

إن كنت من عشاق نيويورك، وتحمل في جيب سترتك الجينز بطاقة هوية تفضح انتماءك المحمدي، فيستحسن أن تعيد النظر في تذكرة سفر قد تحملك بعد شهرنا هذا إلى الجحيم. فقد قررت الناشطة باميلا جيلر التبرع من قوت أولادها بمئة ألف دولار أمريكي كاملة لإدارة حملة تشهير منظمة ضد لحيتك وجلبابك. ولتستعد أيها المحصور داخل أسلاكك الشائكة والمطارد خارجها للركض أمام العابثين وقطاع الطرق من أبناء العم سام إن أصررت على السفر إلى هناك. فعند محطات المترو ومواقف الحافلات، عليك أن تخلع نعليك، لتتمكن من الفرار بجوربك الممزق حتى حدود المهانة لأن المناضلة باميلا نقشت ملامحك فوق جدران محطات المترو وجوانب الحافلات. 
أما المقيمين هناك، فأمامهم أسبوع واحد لمغادرة أرصفة نيويورك، هذا إن أرادوا العودة إلى مسقط أحزانهم وهم يحملون رؤوسهم بين أكتافهم، فقد قررت المدهشة جيلر أن تدشن حملة الكراهية ضدهم في التاسع والعشرين من الشهر الجاري. وفي ملصقاتها المدهشة، سترى ملامحة الإسلامية تنز أرهابا وتقطر عنفا أيها المحمدي، وبين يديك كرة من العظم تقطر القرمزي القاني. رأس برأس إذن، ولأن رأسك ليست كرأس جيمس فولي، فلن تجد من يضعها على طبق من فضة أو نحاس ليقدمها إلى تاريخ حافل بالبؤس كتاريخك. وسيلعب صبيان الحواري النيويوركية بأنفك وبؤبؤيك، وتنتهي ملامحك الباهتة إلى سلة مهملات عند ناصية العنف. 
رأس برأس إذن، وعين بعين، وغباء بغباء. ولن يفيدك البراء من الحكومة الإسلامية التي أطاحت برأس فولي في ملاعب الهمجية، فملامحك تفضح هويتك، ولأنك محمدي من شرق المهانة، فأنت تحمل جرثومة هتلرية لا تفرق بين رأس مقاتل ورأس فولي، وعليك أن تدفع ثمن ملامحك الشرق أوسطية وانتمائك إلى دين لم يعد يدافع عنه أحد. فاخرج أيها المغضوب عليه من سفر الحريات وتجرع كأس الهمجية في ظلال تمثال الحرية الذي لم يعد أحد يدري سر اغترابه في بلاد جيلر. 
سيستمر ترمومتر الكراهية في الارتفاع لأن السيدة جيلر ورفيقاتها لم تكتفين بتجاوز معدلات العنف ضد المسلمين لتصل إلى مئة وثلاثة وأربعين بالمئة مقارنة بالعام الماضي طبقا للإحصاءات الأخيرة الصادرة عن حكام الولاية. هذا، وتقوم المناضلة جيلر حاليا بتصميم أكثر اللوحات جاذبية لإثارة أكبر قدر من الكراهية والعنف مستفيدة من التقنيات الأحدث في مجال الدعاية والإعلان، لأن ملصقات 2012 لم تخلف قدرا من العنف يرضي السيدة باميلا. 
وسيكون مصير المتهورات المصريات من أمثال منى الطحاوي السحل والحبس إن هن أقدمن على رش رذاذ المواطنة فوق لوحات البذاءة التي لم تعد تستحي من ارتدائها شوارع المدينة الكوزموبولوتانية، ولن تغني عنها أوراق الجنسية من الحبس شيئا. ولن يفيد السيدة لندا صرصور تفهمها الكامل لحق جيلر في التعبير عن حمقها لأنها ستكون أول المطاردات في شوارع المدينة العتيقة. بعد التاسع والعشرين من سبتمبر الجاري سترتدي نيويورك حلة غير التي تدثرت بها عقودا، وسيصبح تمثال الحرية نصبا غير مرغوب فيه في بلاد لم تعد تمد يديها نحو الشرق كما كانت تفعل في القديم. 
صحيح أن السيدة جيلر استمرت في التحريض على العنصرية ضد المسلمين بفجاجة غير مسبوقة في كل أحاديثها المتلفزة، لكنها لم تتجاوز أعتاب المواطنة في ملصقاتها الموعودة، والأمر لا يتجاوز كونه وجهة نظر معتبرة على حد قول إيفان برنشتابن. الصورة لا تكذب إذن، والمسلمون إرهابيون باعتراف وكالات الأنباء في بلادهم وبشهادة المخضرمين من الإعلاميين وأصحاب الرأي والقلم. وعليه، فإن لباميلا جيلر مطلق الحرية في ممارسة تحريضها السافر ضد المسلمين النازيين البؤساء من حاملي الرذاذ الذي لم يعد يغطي قبح الصور الموزعة على جدر نيويورك العتيقة. ولو أنصفت جيلر، لأنفقت ريع حمقها على بؤساء عالمنا الأخير .. وإذن لتجنب العالم شرور الغباء الذي لم يعد حكرا على أبناء منطقتنا الموبوءة من النيل إلى الفرات. 
عبد الرازق أحمد الشاعر

الأحد، 14 سبتمبر 2014

مقالات سياسية: من تحارب؟ بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

حين تذهب إلى الحرب منتعلا تاريخك وجلد أخيك، فليس عليك أن تخلع نعليك، وحين تستظل وأنت تيمم فوهة عجزك العربي شطر أي رأس براية ليست لك، فلا ترفع كفيك عاليا وأنت تحوقل، وحين تعود من الحرب بلا غنائم ولا أسلاب تجر بندقية صدأة خلفك، فلا تكترث بمن يلعنك. الحرب ليست لك، وليس الثأر ثأرك، وليس من حقك أن تفرج بين إصبعيك وأنت تمر من فوق الرؤوس المثقوبة، ولا أن ترفع رأسك عاليا، لأنك مجرد مدعو إلى حفل قتال، تفرغ فيه نخب الرصاص ثم تعود إلى بؤسك القديم خلف أسلاك لا تدري مواقعها، لتعد النجوم وحدك، وتحصي عدد الأيام التي تفصل بين قدميك المتورمتين وحذائك المدني الطري. 
لم يكن القرار لك، ولم تحدد ساعة الصفر أنت، ولم يستشرك أحد عند حفر البئر أو نبش الخندق . تأتيك قرارت الحرب معبأة كعلب سردين منتهية الصلاحية تأكلها من سغب متعللا بالإباحة، لكنك تعلم وأنت تصوب بارودك نحو الجماجم البعيدة أنك تحارب يقينك، وأن الضرورات ليست ضروراتك ولا الثأر ثأرك. وحين ترفع عينيك، فترى شمس القيادة تشرق من مغربك، وتلفحك شمس الهاجرة وأنت منكس الرأس وراء كيس من الرمل تنتظر إشارة ببدأ القنص. ومن بعيد .. من وراء وراء المحيط، تأتيك الإشارة، فتستجيب لنجوم ليست من سمائك، وتتبع راية ليست كرايتك وأنت معصوب الحرية واليدين. 
وحين تعود - إن عدت - لن تستطيع أن ترفع حدقتيك لتواجه سؤال طفلك البرئ: "أبي من أين عدت؟" ولن تزعرد أمك وأنت تدخل عليها بثياب تحمل رائحة الدماء والعرق، لأنها تدرك في أعماق أمومتها أن الثأر ليس ثأرك، وأنك دخلت المولد دون دعوة، وركبت حمار الحرب بالمقلوب، فصار نصرك هزيمة، وتقدمك في الميدان حسرة. ستعود - إن عدت - لتمارس بلادتك القديمة وتنتظر الزيت والسكر في طوابير لا تنتهي، لكنك لن تنظر في وجه أحد وأنت تعود إلى بيتك حاملا انكسارك وزيتك، وسكرا لا يغير مرارة الحلقوم ولا حنظل الذاكرة.
ستعود - إن عدت - لتجلس على المقهى عند الناصية، لكنك لن تحكي لرفاق الطاولة عن حرب خضتها بالوكالة، لأنك تعرف أن الدماء التي ولغت فيها لن تذهب سدى، وأن رائحة البارود ستظل تزكم أنفك حتى النهاية، وأنك رهنت وطنك وأمان زوجك كي تخرج من كتب التاريخ بكفالة. وحين يسألك أحدهم: "لمن الملك اليوم؟" ستلوي عنقك وتطلب شيشة تفاح، وتظل تصهل كفرس جامح حتى ينسى رفيق الحزن نص السؤال.
لكنك لن تستطيع أن تضع رأسك فوق الوسادة لتغط في حلم وردي كما كنت تفعل عند الحدود، وسيؤرقك لون البيادات الغازية حول خندقك وألوان الأعلام المتساقطة مع براميل البارود عند إخمص ناظريك .. ستظل النجوم البيضاء تتلألأ في سمائك الزرقاء ويطاردك ملك الموت فوق صهوة جواد غير عربي حتى الوهدة الأخيرة. ستظل أوامر القنص تتردد في أذنيك كوخز الإبر الصينية في الكروش المتهدلة، ولن تشعر بالنصر وإن قاتلت كرجل أو جرحت كفارس. 
أيها الشريك الذي لن يشارك في غرس بيرق أو رفع بيرق! ولن يشارك في رسم الخرائط أو جمع الغنائم! أيها المغلوب على زناده وخوذته! ستحارب طواحين الهواء في أرض ليست لك، وتقاتل برجولة، ولكن ليس بشرف، وتنتصر لكنك لن تستطيع الاحتفال يوم تعود، لأن أحدا من أبناء قريتك لن يعرف متى بدأت الحرب ولا كيف انتهت، ولن تستطيع أن تخبرهم بهوية أعدائك، لأنك ببساطة لا تعرفهم. وحين يرى أحدهم ثيابك العسكرية ملطخة بالدماء لن يشم فيها رائحة العدو، ولن يناديك بالبطل، ولن تضطر لإخباره أنك كنت مجرد مدعو إلى حفل قتال، وأنك حفرت الخنادق وشققت الطرق وحصدت من الجماجم ألفا، لكنك لم تنتصر لأن الحرب ليست لك ولا الثأر ثأرك.

الخميس، 11 سبتمبر 2014

المقالات الاجتماعية: شر البلية بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

بعد خمسين يوما من الهمجية، قررت إسرائيل أن تسحب دباباتها من فوق ركام المدن وأشلاء الموتى في غزة لتعود إلى ثكناتها آمنة. وأمام المودعين، رفع نتانياهو رأسه عاليا لأنه استطاع أن يأخذ بثأر نافتالي وجلعاد وإيال قبل أن تجف دماؤهم فوق تراب حلحول. صحيح أنه اضطر لتوسيع مقبرتهم شيئا ليضع إلى جوار بزاتهم العسكرية الممزقة ستا وستين مجندا آخرين قضوا في غارة الثأر الأخيرة، لكنهم لم يموتوا بلا مقابل على أية حال، فقد تمكن أصحاب النجوم الداوودية اللامعة من الثأر لذويهم وتحقيق نصر مؤزر على زيتون غزة وكرمها. 
أما المنكوبون على الجانب الآخر من الحدود، فيستطيعون لعق جراحهم وإخراج بقايا موتاهم من تحت الأنقاض ليترحموا عليهم ثم يعيدوا دفنهم في مقابر لا تختلف كثيرا عن بيوتهم المتهالكة. وبعد انتهاء مراسم العجز، يستطيع المترحمون أن يستعيدوا ذكريات الرعب التي مرت بهم وهم يعبرون الخنادق التي تقاسموا فيها الملح والرصاص. 
ويستطيع نتانياهو صاحب أرحم جيش فوق خرائطنا المشوهة أن يفاخر بأنه لم يقتل من المدنيين أكثر من اثنين وخمسين بالمئة، وأنه أرحم بالمسلمين من قادة جيوشهم الذين لا يتورعون عن صب براميل الغضب فوق رؤوسهم دون تمييز ودون رحمة. ويستطيع أن يزايد على من تركوا مرابط خيولهم لسنابك العدو، وانشغلوا بحروب داحسية غبراء. 
ويستطيع العرب أن يختلفوا كما يحلو لهم حول أعداد الموتى والجرحى والمفقودين، وأن يتساءلوا عن جدوى المقاومة، وشرعية الخطف. ويستطيع مثقفوا الأمة أن ينظروا بعين محايدة إلى صراع لم يعد يمت لعقيدتهم الدفاعية بصلة، بعد أن أخرج الإعلاميون نكهة الرجولة من أجسادهم المقددة. يستطيع العرب أن يثوروا وأن يفجروا مدنهم وأنابيب النفط في صحراواتهم، وأن يجتمعوا بعد كل انتفاضة وقمع لإحصاء خسائرهم، لكن ليس من حقهم أن ينبشوا قبور ثوابتهم لإخراج ما وحدهم يوما تحت راية عز واحدة. 
ومن حق يائير لبيد بعد أسبوع من هدنة هشة أن يساوم على رؤوس المقاومين، وأن يدعوا العرب من النيل إلى الخليج للجلوس على طاولة تآمر واحدة لانتزاع اعتراف جنائزي بشرعية الاحتلال وهمجية المقاومة. لكن وزير المالية الإسرائيلي المعتدل لم يوضح السبيل إلى نزع سلاح المقاومين، ولا دور الجيوش العربية في تنفيذ فكرته اللوذعية. صحيح أن شر البلية ما يضحك، لكننا لا نستطيع اليوم الضحك ولو من قبيل السخرية احتراما لجثث لا زالت دافئة تحت الأنقاض في انتظار نخوة عربية تسمح بمرور الآليات في اتجاه واحد دون انتظار تأشيرة مرور من قادة الحرب فيما وراء الحدود. 
في غزة، تخلص اليهود من ذخيرة انتهت صلاحيتها، وجربوا أسلحة فتاكة انضمت مؤخرا لترسانتهم العامرة ، واغتصبوا أرضا لم يغتصبوا مثلها منذ ثمانينات القرن الفائت، ثم انسحبوا من خرائبنا الممتدة وتركوا المقاومين يهزجون بأناشيد النصر ويلوحون بأعلام ممزقة لم تعد ترفرف في أي اتجاه. لكن المقاومين الذين يدركون جيدا أن معادلة الصراع لم تعد متكافئة أبدا، وأن بنادقهم الصدأة لن تصمد في وجه مدرعات الصهاينة ومجنزراتهم طويلا، وأنهم يمثلون وقودا بشريا لحرب قد تكون الأخيرة في سجل الحروب البشرية فوق هذا الكوكب المضطرب، إلا أنهم لا يكترثون لاتجاهات الريح، ويقفون على حدود مبادئهم وأياديهم فوق الزناد لا يضرهم من خالفهم. 
غريبة دعوة يائير، لكن الأغرب أنها حتى اللحظة لم تجد قطزا يمزقها ثم يلقيها في وجه صاحبها، ولم تجد بين المفكرين العرب من يستهجنها ويطالب الجامعة العربية بعقد قمة طارئة للرد المناسب عليها. لكنني أخشى ما هو آغرب، وهو أن تعقد قمة يائير فوق أرض عربية ذات مهانة، ليتفق المؤتمرون على محو التاريخ والاكتفاء بتدريس الاقتصاد في جامعاتنا العريقة.

السبت، 28 يونيو 2014

المقالات الاجتماعية: تقنين البغاء بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

استطاع الربيع العربي المباغت أن ينزع أوراق تاريخنا من غلافها، وأن يوزع أوراق التوت التي كانت تواري سوءاتنا فوق الخرائط. وتمكنت الكاميرا المتلصصة من التجول في أجسادنا العارية لتوزع صورا مقززة تثير الاشمئزاز في عيون المنحرفين الذين كنا نضم ثيابنا عنهم حين نلتقيهم في الطرقات. وصار المتحرشون في بلادنا نجوم غلاف ومادة للمضغ المقزز في برامج التوك شو التي امتلأ بها فراغنا المخيف.
وتحول كل شيء في لغة الميادين إلى شعارات تستخدم المقدس والبذئ لتخرج المصريين من عصمة الرسالات إلى فوضى الجسد، وهكذا، تحول الدين إلى هامش يضيق كلما اتسع الخلاف. وبهذا، نجح المتربصون بالوحدانية إلى زراعة أصنام الغواية وبقايا البؤس في أرض الفوضى، ونجحوا في إقناع المصريين الخارجين من عصمة الثورات بالدوران حول الخوار الإعلامي المقيت ليشاهدوا لغة بذيئة في عصر مليء بالبذاءة، في انتظار عودة محمد بالألواح من فوق الجبل ليعيد إليهم قيمهم التي داسوها تحت أقدامهم عراة في ميادين التيه.
جريمة لم تشهد الميادين مثلها، أن تقف امرأتان عاجزتين عن التلحف بثياب رجال تخلوا عن جسديهما، وتظاهروا بالتقزز وهم يسترقون النظر ليروا ما تركه المنحرفون عاريا من بقايا ليشبعوا في أنفسهم شهوة الادعاء وشهوة الاستنكار وشبقية لم يجيدوا إخفاءها. وفوق بلاط الميدان الذي شهق أولا، يعود المصريون إلى الصمت، لكنه الصمت الأذل في تاريخهم الحديث. 
منحرفة هي اللحظة انحراف الميادين الفسيحة. ومنحرفة انحراف الصمت أقلام كنا نحسبها على خير. ومن عجب أن تجد كاتبا كان يشار إلى تاريخه بالبنان يطالب ولاة الأمر بتقنين الفجور حفاظا على القيم. وكأن قيم المواخير هي الملاذ الأخير لأصحاب العقائد في مواجهة قيم ما بعد الثورات. يمكنك إذن، طبقا لرؤية كاتبنا الملهم، أن تخرج من كنيس أو كنيسة أو مسجد بقدمك اليسرى، لتدخل دار بغاء بنفس القدم لتخرج ما في جعبتك من فحولة ثم تعود أدراج تدينك كأن فسقا لم يكن. وتحت حماية شرطي لا يستحق أن يرفع رأسه عاليا، يمكنك أن تقضي شهوتك كما تقضي حاجتك، فالمواخير المرخصة كالمراحيض العامة في مفاهيم كتاب ما وراء القيم.  
في ميدان الحرية، تحرش عصبة من الفجار بامرأتين لا حول لهما ولا ناصر، ولم تجدا من بين الواقفين حول عريهما المدنس رجلا من أطهار الزمان الأخير إلا مفكرا بائسا يطالب المتحرشين بالتستر، ويطالب الدولة بتقنين البغاء وحراسة من ينفثون عن مكبوتاتهم المنحرفة صونا لما تبقى من قيم وحماية لعفة القوارير التي لم تطلها يد العابثين بعد. وكأن المسيح ومحمد لم يأتيا إلى هذا العالم المليء بالمدهشات إلا ليحررا رجاله من شهواتهم القذرة في أجواف المومسات. 
استطاعت التكنولوجيا إذن أن تحشر الناس جميعا في غرفة ضيقة ليمارسوا طقوس اللهو ذاته، لكن يبدو أن الغرفة تلك لم تتسع لأصحاب القيم المخالفة والثقافات المغايرة. ويبدو أن صفحات التواصل قد استطاعت أن تهدم كثيرا من القيم التي ميزت شعوبا وقبائل على مر العصور. فرضت التكنولوجيا قيم المنتصر ووزعت فساده على أرجاء الخرائط، وأصبح الناس يتحدثون اللغة نفسها ويكتبون التويتات نفسها، ويسخرون من الشيء نفسه، ويتقاسمون الحلم نفسه والخوف نفسه والشبقية والمقت. واستطاع المستعمر من وراء الحدود أن يحول رؤوسنا المهملة إلى قارورات مليئة بالمولوتوف، وأن يجعل مجتمعاتنا المتماسكة هدفا لنيراننا الوشيكة. واليوم ندفع ثمن السقوط وثمن السكوت، وثمن البغاء. لكننا يقينا لن نستطيع حماية المواخير العامة بحجة حماية الفضيلة .. هذا كثير.

المقالات الاجتماعية: حقوق المومسات بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

لم يعد الحديث عن البطالة والفقر سيد المجالس في البرازيل، ولم يعد يسمع للنشطاء الذين حاولوا الوقوف على قضبان الساحرة المستديرة في ميادينها رجزا. في برازيليا، نسي الفقراء بؤسهم والضرائب التي أثقلت ظهورهم، وسمروا أحداقهم فوق شاشات الزجاج في انتظار مواسم الهتاف. وفي ريو دي جانيرو، لا صوت يعلو فوق صوت الأحذية الرياضية فوق أرض الملعب. والكل في مدن السامبا يعزف لحنا غير منفرد لبلاد تحولت إلى مصنع كوني يصدر الأقدام الماسية إلى كافة المدن العاشقة للعبة. 
وفوق ترتان ملاعبها الزاهي، تتراكض الأسماء اللامعة، فتتصادم حينا وتتراكض أحيانا، لكنها بعد كل مباراة حماسية تتصافح، وتعود لتضيء ليل البلاد الساحر بكوكبة رائعة من نجوم الكرة. وفوق المقاهي، ينسى البرازيليون قرونا من الاستعمار المقيت لبلادهم، فيصفقون بنفس الحماسة للاعبي البرتغال وأيرلندا، ففي البرازيل، لا فضل لكروي على كروي إلا باللمسة والتمريرة والركلة.
وفي البرازيل، يمكنك أن تشتري أي شيء، فكل شيء في ليل البرازيل مباح، وحتى الصباح. لأن شهرزاد البرازيل لا تكف عن الغنج، وديكها مقطوع اللسان. وبما أن القانون في برازيليا في خدمة السائحين، فلا غضاضة أن تستعين الدولة بفنادق الهوى لاستيعاب ما فاق قدراتها المتواضعة. صحيح أن تذاكر المبيت في تلك الفنادق خمسة أضعاف مثيلاتها في المواسم المعتادة، لكنها حتما تقدم من الخدمات ما يستحق.
وفي البرازيل، يمكنك أن تشاهد مباراة بين دولتين لا تجمع بينهما إلا الكرة، أو بين فريقين لا يجمع بينهما إلا المكان. ويمكنك أن تصفق بحرارة أو تضحك حتى تدمع عيناك وأنت تشاهد كرة قدم نسائية بين فريق من العاهرات وفريق من اللاعبات البروتستانتيات الأمريكيات المتعاطفات مع عاملات الجنس. هي ليست حملة تبشير تلك التي شهدتها مدينة بيلو بريزونتي، ولا حملة تقليدية تندد بممارسات بائعات الهوى، لكنها حرب كروية أثبتت فيها عاهرات البرازيل أنهن يستطعن الانتصار في أماكن أخرى غير الفراش. 
هناك، وفي نفس المدينة التي شهدت مباراة كولومبيا واليونان، وقفت بائعات الهوى مرتديات زي بلادهن الكروي في مواجهة فريق من البروتستنتيات المتعاطفات لتطالبن بحقهن في الرذيلة والاحترام. وقد تمكنت بائعات الهوى من إظهار براعة غير متوقعة في حلبة الركض، واستطعن أن ينتزعن شهقات المتابعين للمباراة العارية.  
"من العدالة أن يحصل جميع الأفراد على نفس الحقوق، وكوننا عاملات ليليات لا يعني أننا أقل قدرا من غيرنا،" تقول باتريشا بونجس. "وقد تمكنا بالفعل من تحدي هذا التمييز الطبقي المعيب." وهو بالضبط ما تراه لاعبات الفريق البروتستانتي المهزوم. تقول جيني جاك:"إن كنت تحب الناس، فلا يجب أن تحكم عليهم. وبما أنك لا تستطيع تغيير الناس، فلا بديل عن محبتهم." ويبدو أن حماس جيني قد أنساها لوهلة أن الحكم الذي سيلي هزيمتهم النكراء من فريق العاملات الليليلات سيكون حكما على القيم والأديان، وليس على عدد لا يستهان به من بائعات الهوى في البرازيل. 
 لكن المتابع للأحداث، قد يلتمس عذرا لفتيات أمريكا الغريرات اللواتي لم تتدربن بالشكل الكافي على الحيل الكروية التي تجيدها فتيات الليل البرازيليات. فقد سبقت تلك المباراة الودية تدريبات شاقة استهلتها نقابة المومسات عام 2013 بكورسات مكثفة لثمانين ألف غانية لتعلم اللغة الإنجليزية وفنون الغنج، أشرف على إعدادها بعض المتخصصين العاشقين لعلب الليل البرازيلية، . وهكذا، استطاع فريق العراة أن يبلى بلاء حسنا في معركتي الليل والنهار من أجل الدفاع عن حقوقه في العيش والكرامة. 
استطاعت مومسات برازيليا أن تقدمن عرضا مغريا للمشاهدين الجالسين في مدرجات معركة فاصلة تدور رحاها بين قوى الحق والخير والجمال، وقوى الشر والفتنة والغواية، في الوقت الذي قدمت فيه البروتستنتيات الأمريكيات عرضا هزيلا غير مقنع أظهرن فيه أداء يبشر بانهيار القيم وتراجع الأديان. الشيطان يسجل تفوقا ملحوظا في كافة الصراعات التي تدور رحاها فوق كافة الملاعب، في حين تتراجع القيم والأخلاق والأديان. صراع بيلو بريزونتي ليس صراعا كرويا فقط يخوضه فريق من بائعات الهوى لنيل حقوقهن المقدسة في الاحترام والكرامة. إنما هو صراع كوني بين الشيطان والإنسان يوشك أن يحسمه المتدينون بفجاجتهم وقلة خبرتهم لصالح عاملات الليل اللواتي تجدن فنونا أخرى غير كرة القدم.  

المقالات الاجتماعية: الشعب يريد الماريجوانا بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر

في أمريكا، قرر العقل أن يخرج عن قضبان منطقه، ليتجاوز بتشريعات عبثية حدود الهذيان، فتتحول كتب القانون بفرمانات دستورية غير قابلة للنقض أو التصالح إلى لفافات تبغ وقات وماريجوانا. ففي أمريكا، يمكنك أن تنفث المحرم عند أي ناصية، وأن تلف أصابع التيه أمام الدوائر الشرطية دون أن تخشى ملاحقة مخبر سري أو خفير درك، ويمكنك أن تمد أصابعك الصفراء بسيجارة محشوة بالمخدر لتشارك رئيس المحكمة الدستورية عربدة قانونية ظهرت فجأة في صفحات القوانين الفيدرالية الصفراء. 
يوم الجمعة الفائت، قرر مجلس النواب الأمريكي، وبأغلبية 219 عضوا أن يسقط الحظر عن الماريجوانا، ليدخل تجار السموم في عصمة القانون، ويغادر العقار سيء السمعة دائرة التحريم. وهكذا، وبقرار غير مستغرب من أعضاء المجلس الموقر، تم اسقاط التهم التي وجهها قضاة الوعي على مدار خمسة وأربعين عاما ضد المتعاطين والمروجين للعقار. وعليه، لم تعد الماريجوانا "من أخطر العقارات وأكثرها تهديدا للصحة النفسية والجسدية" كما نصت تشريعات السبعينات، ولم يعد من حق شرطي أن يوقف شابا يوزع الماريجوانا في الطرقات أو داخل حرم الجامعة لأن نواب الشعب الأمريكي قرروا فجأة إنهاء العداوة التاريخية بين الشعب الأمريكي والهذيان. بقي أن يوقع أوباما، ليتحقق حلم البرلماني بلومونوير الذي كرس وقته وجهده للدفاع عن حقوق الشباب في التعاطي والتداول. 
وهكذا يتراجع عقار الماريجوانا عن تصنيفه كواحد من أخطر المخدرات على المجتمع الأمريكي، ليصبح على يد البرلماني المخضرم إلى "مجرد مسكر" لا فرق بينه وبين الخمور التي يحتسيها المشرعون هناك، فلا تصيبهم إلا بنوبات خفيفة من الصداع وفقدان التوازن و"الهذيان". 
لم يعد هناك مبرر لمطاردة الخارجين على سلطان العقل، ولم يعد منطقيا ملاحقة الباحثين عن اللذة في الأزقة الضيقة إذن. وإذن، لا معنى لانتقادات بابا الفاتيكان اللاذعة لمشرعي الماريجوانا طالما أن خمسة وخمسين بالمئة من الشعب الأمريكي طبقا لآخر استطلاع أجرته السي إن إن يطالب بإخراج العقار من قائمة الممنوعات. الشعب يريد إسقاط المحظورات .. والنواب لسان الشعب .. والبابا لا يعبر إلا عن نفسه أولا وأخيرا. 
من قال أن عقار الماريجوانا شر كله أيها الفرانسيس الطيب؟ وكيف تجزم وأنت تقف أمام التاريخ الأسود بحلة بيضاء أن التصالح بين الشر والخير مستحيل؟ ألم تر كيف غيرت سحب الماريجوانا البيضاء سواد تاريخها القديم، وكيف تحول نواب الشعب وقضاته إلى مروجين محترفين للفافات التبغ المحشوة بالتيه؟ ثم، من سمح لك أن تقحم نفسك في غمار السفسطة المفسدة وأنت ترتدي عباءة الدين التي صارت ملطخة بالرجعية والتخلف من كل جانب؟ ثم إن أمريكا ليست بدعا من الدول المارقة التي تحلل ما حرم الله، فقد سبقتها الأوروجواي على درب الفساد، فتحولت إلى سوق كبير لتوزيع العقار بحكم القانون الصادر في ديسمبر الفائت. كما تعهد الجامايكيون مؤخرا بتعديل قوانين بلادهم لإدخال أبخرة المتعة إلى ساحة القوانين الفسيحة.
لن تكون كولورادو أو واشنطن آخر الولايات المارقة يا سيدي، ولن تتوقف سحب الدخان عند سواحل أمريكا، وقريبا جدا، سيقف بعض نوابنا الذين يمثلون خمسة وخمسين بالمئة على الأقل من شعوب ما وراء المنطق ليدافعوا عن حق الشعب في العيش والحرية والماريجوانا. ولن تقف قضايانا المصيرية عند حدود الختان والاغتصاب والتحرش، لكنها حتما ستمتد إلى حجر ضب آخر تتصاعد منه سحب الزمان الأخير حيث اللامنطق، واللاوعي، واللامحرم. ويومئذ، ستدرك أيها الفرانسيس الفارس أن المتدينين قلة، وأن الشعب يريد الماريجوانا.

الأربعاء، 11 يونيو 2014

مقالات اجتماعية: معاريج غير مقدسة بقلم/عبد الرازق أحمد الشاعر



بعد 2015، ستتسع جغرافية إسرائيل لتتجاوز حدود النهرين المهددين بالسدود من كل جانب، وتتجاوز عراقيل الجوار والتاريخ والجدر الأسمنية العازلة، أو هكذا يبشر علماء بني إسرائيل. فقد اكتشف حاخامات صهيون فجأة أن الأرض تضيق بمزاعمهم المقدسة عن الهيكل والهولوكوست، ولهذا، بادروا إلى عقد اتفاق غير معلن مع شياطين الفضاء لشن أول حملة دينية مقدسة لغزو القمر. وقريبا جدا، وقبل أن يفيق العرب من سكرات الميادين، سيضع رواد الفضاء اليهود أول تلمود فوق سطح القمر ليعلنوه أرضا بلا شعب، ويبدأوا في صياغة الأكاذيب الخرسانية حول حقوقهم التاريخية في أراضيه المقدسة.
لكن هيكل اليهود هذه المرة لن يكون سليمانيا كالمعتاد، رغم استناده على حائط المقدس. فجماعة "التلمود على القمر" التي أعلنت أنها لن تهدأ لها نأمة حتى تستقر أول كبسولة فضائية تحمل سفر التوراة إلى متن القمر تستند إلى حقوق ملكية دينية بامتياز. وقد جعل القائمون على المشروع من سفر التوراة براقا يحملهم فوق حدودهم المستنفرة . فسفر التوراة لمن لا يقرأ الكتب المقدسة كتاب لا يخرج من الكنس، ولا يتجه إلا إلى قبلة مقدسية. ويحتوى على خمسة أسفار يتيمة وهي: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية. في حين يشتمل الكتاب العبري المقدس أو ما يسمى بالعهد القديم على أربع وعشرين سفرا كاملة. 
لسفر التوراة إذن قدسية خاصة عند اليهود فهم يعتقدون أن كلماته جاءت خطابا مباشرا من الرب لموسى عندما ذهب الكليم لميقات ربه فوق جبل الطور، أما باقي الأسفار، فلا تحمل القدسية ذاتها، لأنها وجهت إلى أنبياء بني إسرائيل لكنها ليست من كلام الرب المباشر. ولهذا تراهم يضعون سفر التوراة في كساء مخملي مطلي بخيوط الذهب أو الفضة داخل صندوق مرصع بالذهب والفضة عليه تيجان أو زهور. 
سيخرج سفر التوراة قريبا إلى الفضاء ليعلن تحديه لأكاذيبنا المنمقة عن الممانعة والمواجهة والردع، وسيركل حافر البراق اليهودي الموجه مؤخرات ادعاءاتنا الرخيصة عن القوة ورباط الخيل. قريبا سيتحول حائط البراق إلى حائط مبكي، وسيخضب الذين ألصق تاريخ البلادة ظهورهم به لحاهم الممتدة حتى أسافل خصورهم بدموع لا قيمة لها. 
لكن سفر التوراة لن يطير إلى السماء وحده، فمعه أو بعده بقليل، سيطير الفيدا الهندوسي، وأنا تشينج الصيني، ليلتحقوا جميعا بالإنجيل ذي الغلاف الأحمر الذي تركه ديفيد سكوت على متن عربة مقدسة أطلقتها أبوللو إلى القمر عام 1971. لكن سفر التوراة لن يواجه اعتراضات رواد الفضاء العلمانيين، لأن المخططين للمعراج اليهودي المقدس لن يمدوا أياديهم إلى أي خزينة حكومية أو جهة مانحة، وسيكتفون بالتبرعات السخية من المؤمنين الذين يخشون على كلام الرب من فساد بني آدم وقنابله النووية. 
هي رحلة لحماية المقدس من دنس البشرية إذن، وعلى سطح القمر، ستبقى كلمات الرب بعد أن يفنى البشر؛ أو هكذا يبرر اليهود الطيبون استيلاءهم المقدس على التاريخ والجغرافيا، وهكذا تبدأ الأساطير في التشابك لتربك كل ذي لب لا يقرأ التاريخ إلا من الأسفار المقدسة. لكن أحبار اليهود وعلماءهم لم يبرروا بقاء الكتاب بعد انتهاء عهد الخلافة. من يقرأ الأسفار بعد تصدع الأرض وانشقاقها وخروج شمس الدنيا من مغربها؟ ولمن تبقى التوراة أو الفيدا أو الإنجيل أو أنا تشينج أو القرآن بعد رحيل الإنسان عن هذا العالم الموشح بالقنابل والصواريخ حاملات الرعب والبراميل المتفجرة؟ 
يبدو أن سفر التوراة لم يعد يجد من يقرأه، أو يعمل به. لهذا قرر أن يطير إلى سماوات بلا شعوب. ويبدو أن علماء بني إسرائيل قد فقدوا اليقين بصلاح أتباعهم فقرروا إبعاد أسفاره عن أتباع لا يقرأون كتب الرب أو يعملوا بها، ويبدو أن البشرية قادمة على مرحلة من التيه الروحي قد تمتد عقودا، أو تمتد إلى أجل غير مسمى. فبعد رحيل الأنبياء، ترحل الكتب المقدسة إلى بلاد قفر ليظل العالم تائها في ظلمات الفوضى في انتظار قنبلة كارثية تخرج شمس الحق من مغربها على بلاد بلا شعوب ولا شعوبية. 

الاثنين، 26 مايو 2014

المقالات الاجتماعية: أنابيب الموت بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


السمنة في موريتانيا ليست عيبا، وليس على المبتلى بفيوض التخمة هناك أن يواري ثنيات جسده خلف جلباب فضفاض أو أحزمة جلدية خانقة. فالسمين في منطقة الساحل يستطيع أن يتبختر كطاووس بين أعواد الكربون الآدمية هناك وأن يرجرج ما تناثر من زواياه كلما غدا أو راح ليعلن براءته من الفقر والجوع والمرض. وفي موريتانيا، تحرص النسوة على إجبار فتياتهن اللائي يتمردن على طقوس الثراء بوضع أصابعهن الرقيقة بين قضيبين من خشب، يتعانقان كلمة تمردت الفتيات، وويل لمن ترفض ازدراد ما قدم لها حتى وإن لم يترك ثلثا للشراب أو مساحة أنبوب رفيع للتنفس. 
وعلى مبعدة آلاف الفراسخ من موريتانيا، وتحديدا في جوانتانامو، ظل حراس المنفى سيء السمعة يمارسون طقوس العنف الساحلي نفسه وإن في الخفاء، حتى لا تطاردهم تسريبات سنودان أو تقارير المنظمات المدافعة عن حقوق السجناء، حتى منحتهم القاضية جلاديس كسلر تفويضا قانونيا بدس الخراطيم البلاستيكية صينية الصنع في أنوف المضربين عن الطعام حتى الإشباع. وهكذا، لم يعد من حق أبي وائل دياب أن يموت طواعية أو أن يلاحق جلاديه أمام المحاكم الدولية، هذا إن قدر له الخروج من ظلمات السجن هناك.
وأبو وائل، لمن لا يعرفه، مواطن سوري يبلغ من العمر بضعا وخمسين عاما، ألقي عليه القبض عرضا في أحراش باكستان عام 2002، وظل تحت الوصاية الأمريكية اثني عشر عاما دون اتهام ودون محاكمة، ليذوق وبال أمره وليرى بأم عينه ما لا عين رأت، ولا خطر على ذهن محتجز. وفي عام 2009، قررت إدارة أوباما الملائكية إخلاء سبيل أبي وائل وترحيله إلى سوريا، لكنها عادت واحتجزته خوفا عليه من مصير غير مجهول ينتظره عند بوابات الوصول الدمشقية. ثم أتت الحرب الأهلية على يابس الأمل في صدر الأشيب، فظل رهين محبسين يعاني مرارة التجاهل والقهر حينا من الدهر، حتى نسيه الآمر والسجان ليظل في سجنه بضع سنين.
ولما قرر أبو وائل أن يضع حدا لمعاناته بقرار فردي عن سابق قناعة، فحرم على نفسه الزاد رغم اشتياقه ليتخلص من سجن البعيد وتجهم القريب، قررت السيدة جلاديس أن تعيده إلى شرنقته المظلمة لتلتف الأغلال الثقيلة حول رسغيه، ويضطر لمواصلة حياة بائسة بخرطوم ملوث يحمل مرقا لا يستسيغه. وهكذا، لم يعد من حق السوري الطريد أن يحيا أو يموت، وأن يظل شريان الحياة يتمدد ويتقلص في فتحة أنفه وحلقه حتى تتكسر غضاريفه الجافة كلها. 
عام 1975، أصدر المحتشدون في عاصمة اليابان بيانا يحرم التغذية بالإكراه إلا في حالات طبية حرجة، وخرج الأطباء المنظمون للفعالية بقرار أممي ملزم. لكن السيدة جلاديس التي هي أدرى بشعاب جوانتانامو من أهلها، وأشد حرصا على السجناء من أنفسهم، قررت أن تلقي بإعلان طوكيو في سلة الخروقات الأمريكية، وأن تقف برزخا بين الحياة والموت أمام مستضعفين لا يستطيعون الحياة، ولا يملكون جواز عبور نحو الآخرة. 
وهكذا، قدر على أبي وائل أن يعيش رغم أنفه وأن يتغذى رغم أنفه بخرطوم بلاستيكي قذر يمتد من أنفه ويتسلل عبر حلقه لواذا نحو أحشائه الضامره، ليصب جلادوه المرق في أحشائه صبا، فيتجرعه ولا يكاد يسيغه، ليبقى الأنبوب شريان قهر يصله بحياة لا يريدها ودليل موت لا يستطيعه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. 
في موريتانيا، تقهر النساء بناتهن على الطعام، لكنهن لا يتلذذن بحشر الأنابيب الملوثة في أنوفهن، ولا يتلذذن بحشرجات الحلوق المغتصبة وتلوي البطون المغلوبة على حشوها. وفي موريتانيا تأكل الفتيات حتى يسمن، لكن أطباء جوانتانامو لا يسمحون إلا بشريان حياة قذر يمتد من القمع إلى الأحشاء الضامرة بقدر ما يسمح ببقاء أسيرهم على قيد الألم أطول فترة ممكنة. صحيح أن أبا وائل ليس أول المكرهين على شرب المرق بالأنابيب، وأن تقارير المنظمات الدولية تغص بممارسات جمة من هذا النوع القذر من التغذية، وأن دولا كبريطانيا وأمريكا وصربيا (ناهيك عن ممارسات الأنظمة الشمولية في العالم الثالث) تحمل سجلات غير مشرفة في هذه الصدد، لكنها كانت تمارس بشكل سري على أية حال، ومن وراء الستار. أما اليوم، فقد منحت السيدة جلاديس رجال البنتاجون تفويضا غير مشروط بممارسة القهر واغتصاب حلوق السجناء. 
يبدو أن القاضية النزيهة لم تقرأ عن حادثة أحمد رباني، ذلك المواطن الباكستاني السجين، الذي ظل يقيء دما بسبب زرع خرطوم النجاة في جسده بطريق الخطأ، ويبدو أنها لم تقرأ عن توسلاته لملائكة العذاب في جوانتانامو كي يوقفوا ممارستهم غير الإنسانية في حقه ولو ليوم واحد. ويبدو أن محامي أبي وائل لن يجد بعد اليوم أذنا تصغي لتوسلاته وملاسناته القانونية. ويبدو أن الرئيس أوباما سيضطر كالعادة لوضع خشب في عينيه حتى لا يرى تظاهرات الجمعة التي انطلقت من أربعين مدينة حول العالم لتطالبه بإغلاق منتجع جوانتانامو مرة واحدة وإلى الأبد.
Shaer129@me.com

المقالات الاجتماعية: الرقص فوق صفيح السعادة بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


في بلادنا، يثاب المرء على القنبلة ويجلد حين يقرر الرقص حافيا فوق أسطح البنايات العارية وفوق الأرصفة البليدة، لأن شرطة القيم في فراغنا المقدس لا ترصد إلا رعشات الفرح في الأجساد المنفلتة. وبما أن الجَزَر في عهد السطو الديني المسلح لم يعد خيارا، لا يتبقى أمام طالبي النشوة إلا الرقص تحت سيوف الطغاة وهم يلوحون بعلامات النصر. في إيران يمكنك أن تغازل المنظمات الدولية برقصة فاجرة، لكن عليك أن تبقى منتبها لقرع نعال الحرس الثوري وأكفهم الغليظة، وأن تنكس رأسك كما ينبغي وهم يدفعونك نحو استجواب مطول في الغرف المظلمة.
تاريخنا اليوم يعيد نفسه، لكنه لا يدور حول ساقية الأيام كثور معصوب، بل يتراجع كحية رقطاء تخلع حضارة السنين لتقف عارية فوق تلال الدجل ليمارس شعوذة رخيصة ظنت البشرية أنها تجاوزتها إلى الأبد ذات حضارة. عود التاريخ ليس اليوم أحمدا كما يظن معظم المؤرخين، لكنه عود مهزوم فوق ما تنبأ أكثرهم تشاؤما. ولأن الرقص ليس أعلى مراتب الحرية، فلا يفرحن المغردون في طهران بوقوفهم حافين غرلا فوق سطوح منازلهم. ولا تشمتن النسوة اللاتي قطعن أغطية رؤوسهن أمام أعين المراهقين المتلصصة بعمامة فقيه، لأن التمرد على الفقيه شيء آخر غير الحرية التي يظنها الظامئ قطرا، ويخالها الثوار ربيعا.
ذات تحد، وقف ستة من المراهقين ليمارسوا الرقص الحافي فوق بلاط طهران العتيق معلنين تمردهم على شرطة الفضيلة التي لم تترك من الدين جزرا إلا أكلته، وعلى الفيسبوك تابع رقصتهم آلاف المتعطشين لانعتاق دائم من أخلاق فرضتها عليهم الأنظمة، وأجبرهم عليها الفقيه. وعلى أنغام فاريل وليامز، تابع آلاف المندهشين ثلاثة من الإيرانيات وهن يرجرجن أردافهن وينشدن مع أعضاء فريقهم السداسي للسعادة. لكن "الكليب البذيء أضر بالطهر العام،" حسب تصريح رئيس الشرطة حسين ساجيدينيا، وهو ما حدا برجال الوصاية إلى وضع الأغلال في معاصم مسدس العهر واقتيادهم لغرف التحقيق خافتة الإضاءة.
لكن الشرطة الإيرانية لم تحتجز فريق التحدي لأنه حاول نشر "السعادة" كما يظن وليامز عبر موسيقاه الراقصة. فقط أراد الواقفون على ثغور الفضيلة أن يحموا أطفالهم وذراريهم من التبعية المذلة لرذائل الغرب الفنية التي تجاوزت كافة حدود المسموح في مجتمع إيران المحافظ. لكنهم رغم اقتحامهم لحفلات الراقصين، وتحطيم آلات العزف، لم يستطيعوا إيقاف الراقصين عن ثني خصورهم كما صرح المطرب الفار آراش سبحاني لإذاعة البي بي سي الفارسية. 
ولم تهدئ تصريحات الرئيس روحاني التي أدان فيها عملية الاعتقال من غليان الشارع الإيراني الذي اعتبر القبض على شباب "السعادة" عملا استفزازيا، فالحظر لم يمنع فيديو "سعداء أننا من إيران" من تحطيم الأرقام القياسية في نسبة المشاهدة، بعد أن تجاوز عتبة الأربعين ألف مشاهد. كما لم يحل حظر المواقع الإلكترونية الإباحية المارقين في مدن الأخلاق من تجاوز كل الخطوط الحمراء والتحايل على الحظر بكافة الوسائل الأخلاقية منها وغير الأخلاقية.
لكن شرطة القيم لم ترد اعتقال "السعادة" في إيران كما يتصور جولنتز اصفندياري، فقط أراد حاملوا الهراوات الدينية أن ينتصروا للرب على ممالك الشر المتربصة ببلادهم، لكنهم وجهوا بنادقهم الأخلاقية بالخطأ نحو صدور شباب لم يريدوا التمرد بقدر ما أرادوا الحرية. ولأنهم تعلموا من مهد الوصاية إلى لحد القمع أن الدين عمامة وحجاب، قرر المقموعون جدا أن يتجاوزوا خطوط الترقب وأن يبادروا بالرقص غير الحر فوق صفيح بلاد ملتهب. 
حين تفرض البنادق حصارا خانقا على الحريات باسم الدين، يخرج الناس على البنادق وعلى الدين، وحين يتحول المشرع إلى معمم يفرض الوصاية أو فقيها يخلط طحين السياسة بزيت الدين، يرقص الناس حفاة فوق طرقات المدينة وتخلع النساء عذريتها أمام الكاميرات في الخدور، ويتحول المجتمع إلى زار كبير تمارس فيه كافة أنواع الدجل باسم الحريات. لقد استطاعت شرطة الأخلاق بهراواتها المقيتة أن تحول الرقص في الشوارع إلى قضية رأي عام، وأن تجعل من هاشتاج "الإيرانيون السعداء الأحرار" سيف فساد قادم نحو قلب المدينة المحافظة. 
تأخرت شرطة القيم في إيران كثيرا، فلم تستطع استيعاب الدبكة الإيرانية المستحدثة، ولن يستطيع الأوصياء على القيم الذين لا يسمحون برقص الحفاة في أزقة المدينة، وتهتز كروشهم وهم يحذرون من خطر العلمانية القادم إلى الشرق الإيراني المحافظ، بينما لا تثير رجفة الأطفال تحت شفرات سيوفهم المقدسة أي نوع من التململ أو الاشمئزاز. في إيران تسقط القيم، ليس من أجل حفنة من الشباب نذروا خصورهم لللتلوي فوق سطوح منازلهم، ولا من أجل فتيات خلعن الحجاب عن سبق إصرار وتعنت أمام الكاميرات المتلصصة، ولكن لأن القائمين على الأخلاق هناك لم يفرقوا بين الصالح والمصالح، وبين ما قال الرب وما قال الفقيه.
Shaer129@me.com

المقالات الاجتماعية: خارج حدود الإنسانية بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


في فبراير الماضي، أراد كريستوفر هيتشنز مدير تحرير مجلة فانيتي فير أن يخرج من أسر الآوراق والصور الجامدة، فألقى جسده طواعية فوق لوح من الخشب ومد قدميه بطول المغامرة، في انتظار فريق العمل. لم يكن الرجل يمارس طقوس مساجه المعتاد حيث تخضع عضلاته المتوترة لدغدغة الأنامل الطرية .. فقط أراد أن يختنق طواعية، وأن يقف على شفرة برزخية بين الحياة والموت. وبعد لحظات من انتظار قلق، اختفت ملامح الرجل خلف قناع أسود، وبدأ العد التنازلي نحو تهور يستحق الشهقة.
وضع فريق العمل قضيبين صغيرين من حديد وقلادة من تعليمات في رأس الرجل الأشيب: "حين يسقط قضيب، أو تزفر بكلمة "أحمر" سنوقف التجربة فورا. وبعد لحظات شعر الكهل بفوطة مغمورة بالماء كتلك التي استخدمتها ريا وسكينة في التخلص من ذوات الشحم والذهب. حاول الرجل أن يصمد قليلا .. حاول أن يكتم رعبه أمام الكاميرا، لكنه سرعان ما أسقط القضيبين من قبضتيه وأسلم كرشه لرعشة مستحقة. 
رفع المجربون كمامتهم المبللة من فوق الوجه المحتقن، ومن ورائها غطاء الرأس الأسود ليمارس الرجل ما تبقى له من حق في الحياة. كان الرجل يتصبب ذعرا، وقد بدا الإعياء على ملامحه المتعبة، وظل يشهق كثور ذبيح فترة من الهلع. وحين ذهب الخوف عنه، وهدأ روعه، تحدث هيتشنز عن تجربته المرعبة وهو يسترق شعاع الحياة من فكي الموت. كان الرجل يريد أن يمارس حقه في المغامرة، وأن يشعر بمأساة أولئك الذين استباحت المخابرات المركزية في أمريكا حلوقهم باسم محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي. 
يوما، صرخ خالد شيخ محمد في جوانتانامو من خلف الفوط المبللة بالماء، لكنه لم يكن يجرب المعاناة، بل كان مجرد فأر تجارب للاستجواب والقهر. ولم يكن الواقفون حوله جوقة من المصورين الهواة، بل كانوا من أباطرة التعذيب الممنهج والخنق المحمود. ولم تكن القضبان الساقطة أو الشهقات المتتابعة تثير في قلوب المتحلقين حول طاولته أي شفقة. فقد كان صاحب الحذاء المتفجر يخطط لتفجير برج الحرية في لوس أنجلوس أو هكذا يدعون. ولربما كان يخطط لمزيد من الحمق هو ورفاقه القاعديون في أمريكا الآمنة المطمئنة. ولأن الغاية تبرر التعذيب، فلا تثريب على فريق التحقيق إن استخدم حيلة حسب الله سعيد مرعي أو محمد عبد العال زوجي السفاحتين دون أن يرتدوا قناع الفكاهة الذي أنسانا مأساة الوجوه الشاحبة خلف الفوط المبللة. 
كانت كارثة انهيار برجي التجارة فاجعة بطعم الألم، تناثرت على إثرها أشلاء آدمية وغرف ومكاتب، وتطاير الغبار آلاف الهكتارات في بلاد لم تألف الرعب المنظم ولا المتفجرات الطائرة منذ حربها العالمية الأخيرة. لكن الكارثة الهائلة تجاوز غبارها حدود أمريكا الأخلاقية، وأسقط عن وجهها الملائكي مساحيق الإنسانية والعدالة، وبدت أمريكا في زيها الحربي المزين بالفوط المبللة كآلهة الأولمب القاسية، فراحت تبرر لنفسها ما حرمته الشرائع والمواثيق الدولية في انتهاك فاضح لحقوق المعتقلين. 
وكما تستورد الدول غذاءها من قمح أمريكا المسرطن، كذلك تستورد عنفها وقسوتها مع الواقعين تحت حزام قهرها. وبعد ثلاثين عاما من توقيع اتفاقية مناهضة التعذيب، تخرج علينا منظمة العفو الدولية بتقرير صادم عن الممارسات اللاإنسانية التي يتعرض لها المعتقلون في أنحاء المعمورة. فمن بين 142 دولة وقعت على الاتفاقية، لا زال العنف ضد المعتقلين والسجناء يمارس بشكل ممنهج في تسع وسبعين منها، ناهيك عمن لم يوقع عن الاتفاق أصلا من الدول المارقة عن حدود الإنسانية. صحيح أن التقرير قد خص بالذكر خمس دول بعينها وهي: نيجيريا والمكسيك والفلبين والمغرب وأوزباكستان، إلا أن حقوقيين في دول شتى يؤكدون أن التقرير ليس محايدا، وأن التعذيب الممنهج يكاد يغطى معالم الكوكب المقهور. 
لا شيء يبرر العنف مع المسجونين، ولا ذريعة تبيح استخدام الفوط المغمورة بالماء في استنطاق الأسرى والمعتقلين حتى وإن خططوا لتدمير برج الحرية في لوس أنجلوس. فتطبيق القانون هو المخرج الوحيد للدول التي تعاني من تنامي المنظمات المسلحة فوق أراضيها كنيجيريا. وعلى من فتح صندوق باندورا بحجة محاربة الإرهاب أن يغلقه حتى لا تضيع الدول بين عصابات حكومية تقنن العنف وعصابات غير حكومية تنتهجه، وحتى لا يسقط المواطن فريسة للعنف والعنف المضاد ويتحول كل من خالف أو عارض إلى إرهابي يستحق النوم فوق خشبة بطول الألم ليقاسي مرارة الشهقات المكتومة في الغرف المظلمة. 
Shaer129@me.com

الجمعة، 9 مايو 2014

مقالات اجتماعية: الاختطاف حرام بقلم/ عبد الرازاق أحمد الشاعر

في الرابع عشر من إبريل المنصرم، توجهت فتيات في عمر الأمل إلى قاعات امتحان مكتظة في مدرسة تشيبوك العليا بولاية بورنو بنيجيريا لأداء امتحان البكالوريا، تخامرهن آمال كبيرة على مسافة أميال من رؤوسهن المكدودة. لكنهن لم ينلن الوقت الكافي لإفراغ حمولة رؤوسهن فوق الأسطر المشدودة، لأن البنادق المصوبة نحو جماجمهن لم تترك لهن رفاهية التفكير في مجتمع تكفيري بامتياز.

تركت فتيات تشيبوك أوراقهن فوق الطاولات، وركضن يسابقن المجهول نحو شاحنات صغيرة اصطفت أمام بوابات المدرسة كصافرات إنذار عملاقة. وبعد أن أدركت الفتيات أن أصحاب البنادق المسومة ليسوا من رجال الشرطة وأنهن قد أحيط بهن، التزمن مقاعدهن اتقاء لشرور حملة الوجوه العابسة. لكن فتاة السادسة عشرة لم تجد البقاء محتملا في شاحنة الخوف، فأطلقت ساقيها للريح، وبسرعة الرعب، اختفى جسدها الصغير بين حراشف الأشجار العملاقة، وتنهدت بعمق حين اكتشفت أنها ليست الناجية الوحيدة من شاحنات الموت. وأن أشجار الغابة كانت حبلى بالمغامرات. وتحت حراسة مشددة من عابر سبيل، وصلت الفارات إلى ذويهن لتحكي لهن تفاصيل الاختطاف المرعبة.

في تمام الحادية عشرة من مساء يوم الاختطاف، تلقى أحد المسؤولين الحكوميين مهاتفة عاجلة تنذره بتقدم مئتي مسلح فوق دراجاتهم البخارية متبوعين بعشرين شاحنة صغيرة نحو قريتهم الآمنة. فقام بانا لاوال بإطلاع حامية تشيبوك التي تتألف من خمسة عشر جندي نظامي على تفاصيل الخطر القادم من الأدغال. فأرسل الجند نداء استغاثة لأقرب ثكنة عسكرية على مبعدة ثمانية وأربعين كيلومترا من الطرق الموحلة. لكن شحنات الموت كانت أقرب إليهم من حبل الإغاثة.

فبعد ساعتين من انتظار ممض، طوق المسلحون رجال الحامية، وبدأت معركة غير متكافئة، سرعان ما نفدت فيها زخيرة الحامية، فاضطر رجالها إلى التدحرج في الأدغال القريبة بعيدا عن جثة رفيق مقاوم. وبعد انتهاء وليمة القصف، توجهت الدراجات البخارية نحو أسوار مدرسة تشيبوك لتحظى بصيد ثمين من فتياتها اللواتي ارتضين ممارسة التعليم "الحرام" في الزمن الخطأ.

وفي شريط مصور حصلت عليه وكالة "فرانس برس"، تبنى أبو بكر شيكاو زعيم حركة بوكو حرام عملية الاختطاف متوعدا الأهالي : "اختطفت بناتكم وسأبيعهن في الأسواق". ومنظمة بوكو حرام لمن لا يعرفها، جماعة نيجيرية مسلحة تسعى لتطبيق الشريعة الاسلامية في عموم نيجيريا، أو هكذا تدعي، وتحارب التعليم الغربي باعتباره رذيلة منكرة. وقد اشتقت الجماعة لنفسها من حروف الهوسا شعارا، واتخذت بوكو حرام (التعليم الغربي حرام) لها اسما عرفت به في المشرقين. وقد تأسست تلك الجماعة في ولاية بورنو عام 2002، ثم انتقلت عام 2004 إلى ولاية يوبي على الحدود مع النيجر، ومن هناك بدأت عملياتها ضد المؤسسات العسكرية والمدنية، واستهدفت عناصر الشرطة ومراكز الأمن وكل من يتعامل مع السلطات المحلية.

وينفي الرئيس النيجيري بكل ثقة أي وساطة بين حكومته والمختطفين قائلا، "كيف نفاوض من لا نعرف." لكن بعض رجال الدين المعتدلين في القرية المنكوبة يؤكدون أنهم يمارسون دور الوساطة بين المسلحين والحكومة. وصرح وسيط رفض ذكر اسمه لوكالة اسوشيتدبرس لحساسية موقعه أن الخاطفين يطالبون بفدية لم تحدد بعد. ويؤكد أن الوساطة هي الحل الأمثل لإخلاء سبيل الفتيات. وفي القرية تروج إشاعات لم يؤكدها أحد عن إجبار الفتيات على التزوج من الخاطفين، وعن موت ما لا يقل عن اثنتين منهما بلدغات الثعابين السامة. وعلى مقربة من معسكرات الاختطاف، يخشى أهالى تشيبوك الذهاب إلى مزارعهم لجني محاصيلهم الذي يعولون عليها كثيرا في البقاء على قيد المسغبة في بلاد يتناول المحظوظون فيها وجبة واحدة كل يوم.

"التعليم الغربي حرام" منظمة لا تعرف من الحرام إلا معاقرة الفيزياء والكيمياء في غرفات المعامل، وترى أن الهجوم المسلح على الفتيات الآمنات واختطاف فرحة التفوق من صدورهن جهاد، وأن المساومة على رؤوس القوارير "الضالات" جائز شرعا، وإجبارهن على التزوج من خاطفيهن مندوب. وبين التحريم والإباحة، تضيع قيم الإسلام السمحة ولا يتبقى من الهدى والرحمة إلا الخراطيش الفارغة والأشلاء وبرك الدماء. وهكذا يعود الإسلام في لغة الهوسا غريبا كما بدأ، ويتحول فوق الدراجات البخارية والسيارات المفخخة إلى أشلاء تحتاج ممن تبقى من علماء الأمة إلى جمعها. وفي نيجيريا تنقسم الخرائط إلى شمال مسلم وجنوب مسيحي بفضل جماعات مسلحة على الجانبين لا تجيد من لغة الرسالات السماوية إلا العنف ولا تتحدث إلا بفوهات المدافع. وهكذا تستمر مأساة فتيات تشيبوك ومأساة المؤمنين في هذا العالم إلى أجل غير مسمى.

عبد الرازق أحمد الشاعر

Shaer129@me.com

الأحد، 4 مايو 2014

المقالات الاجتماعية: مرارة الخسف بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


للقرى شرايين يابسة، لا تسير إلا في اتجاه العاصمة، وحاملوا المعاول فوق سوادها مرتزقة لا يبسط الولاة أياديهم إليهم إلا بالسوء. ورغم بقائهم على أطراف الخرائط على مدار تاريخ جاف، تراهم يجيدون الغرس ويوزعون الحصاد في رتابة مدهشة، وكأنهم سواقى من خشب أو طواحين من فولاذ. حتى الطبيعة تقسو عليهم أحيانا كما لا تقسو على أحد. 
في قرية هوبو باريك الأفغانية، فتح الفلاحون أبواب منازلهم ليتبينوا مصدر هزة ارتجفت لها أوصالهم النخرة يوم الجمعة المنصرم، لكنهم لم يعودوا بعدها أبدا، لأن القرية المؤلفة من ثلاثمئة منزل اختفت كما في أفلام الرعب عن وجه اليابسة لتؤلف سحابة من الغبار واليتم والحزن فوق القرية والقرى المجاورة. وفوق أطلال منازلهم الدارسة، وقف المشيعون يبكون أحبة لن يستطيعوا حمل أكفانهم أو نقش أسمائهم فوق البلاط البارد. وسيكتفون بحملة بكاء شعبية يفرغون في صحونها ما في مآقيهم من دموع.
بين غمضة عين وانتباهتها، تحولت قرية بحجم المخيم إلى مقبرة جماعية، وتحول المزارعون بقدرة خسف إلى طمي لزج، بعد أن حولت السماء ما تبقى من تراب قريتهم الهش إلى برك من الوحل والماء العكر. وفوق تلة قريبة، وقفت بيجام نصار تندب حظها التعس: "أمي وأبي وإخوتي وأخواتي وأطفالي لا يزالون تحت التراب،" ولا يعرف أحد إن كان حسن حظها أو سوء طالعها سببا في رحيلها إلى قرية مجاورة قبل الحدث بساعات. أما سنة الله فقد كان أوفر حظا من مواطنته البائسة، فقد استطاع الرجل أن يهرع إلى بيته بعد الهزة الأولى ليحمل أفراخه بين إبطيه، ويأوي إلى جبل يعصمه من الخسف. صحيح أنه فقد سقفا يحميه، وستة من أفراد عائلته الممتدة، وماشية كانت تقيه مرارة الحاجة، لكنه يستطيع اليوم أن يشعر بلذة النوم في أحضان صغاره كما لم يستشعرها قط. 
المصيبة أن أحدا لا يستطيع أن يؤكد عدد الموتى أو ينفيه، كما لا يستطيع فاقد أن يصلي على فقيد قبل أن يضع الخسف أوزاره ويثق حاملوا الأرفاش بتربتهم المراوغة. فقد سبقهم إلى أعمال الإغاثة 255 شهما من أهالي القرى المجاورة بعد أن حملوا الأرفاش فوق مناكبهم ورفعوا أطراف ثيابهم ، لكن أحدا منهم لم يعد.
وعند حدود المأساة، يقف أهل الضحايا ليذكروا محاسن موتاهم وخرائط دورهم ومن غاب ومن حضر، وعلى مقربة من ظهورهم المقوسة يقف المسؤولون عاجزين عن تحريك فرق الإغاثة لعجز في المعدات وخوف من تقلبات التربة. صحيح أنه ليس أول خسف تسامه بلاد لم تذق طعم الراحة قط، فقد سبقه خسف أودى بحياة واحد وسبعين بائسا عام 2012، وصحيح أنهم لم يستطيعوا إنقاذ أحد من براثن التربة الزلقة، وأنهم أعلنوا المنطقة مقبرة جماعية، إلا أن خسف اليوم أعظم من كل خسف، فقد تجاوز عدد ضحاياه 2500 فقيد، وقرية كانت آمنة مطمئنة قبل أن يأتيها العذاب من تحتها لتصبح أثرا بعد عين.
لم تكن أفغانستان في حاجة إلى كارثة جديدة لتتجرع مرارة الفقد والجزع، فقد سامها أبناؤها من الويل والخسف ما فيه مزدجر، ويأتي الانزلاق الطيني ليرفع عدد المواطنين الزاحفين نحو السماء من سراديب بباطن الأرض، وليضاعف الفقد والمرارة. وهكذا يتنقل المواطنون البؤساء فوق الخريطة الطينية في بلاد نسيت ملامح العصر من خسف إلى خسف ومن قهر إلى ويلات، لتبقى الحكمة الإلهية مما نزل بأهل هوبو باريك طلسما لا يدرك مراميه إلا ذوو الألباب. 
سيبقى الخسف ما بقي الصراع الكرامازوفي الغبي بين قابيل وأخيه على تربة طينة هشة لا تثبت تحت أقدام أحد. وستقف كل المعاول البشرية عاجزة عن رفع الطمي ومخلفات الخسف من فوق رؤوس البسطاء ما لم يتدخل الحكماء في قرى ظاهرة وباطنة لحماية ما تبقى من تربة، ووقاية ما علا من منازل. اليوم تنذر السماء ببطشتها الأولى، لتذكر أصحاب القلوب القاسية بالبطشة الآخرة، ولتضع أصحاب الكراسي في موقف مخز أمام أكوام التراب التي لا يستطيع رفشها أحد. ولتذكر من تجبر وطغى بيوم يفر فيه المرأ من أخيه.

Shaer129@me.com

مقالات اجتماعية: عاشت سوريا حرة بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


في سوريا، يمكن للطفل أن يمارس حماقاته الصغيرة تحت القصف، وأن يحمل أحلامه فوق ظهره المعقوف تحت كومة من الكتب الرثة ليسير بين الأنقاض والجماجم مسيرة رعب حتى يصل إلى مدرسة لا حارس لها ولا عامل نظافة، ويستطيع أن يقف أمام علم بلاده المهترئ ضاما أصابع كفه الأيمن فوق شعيرات حاجبه الكثة ليمارس شعائر ولائه لوطن تكاد البراميل المتفجرة تطمس معالمه، وتوشك الحرب الكرامازوفيه أن تزيحه من فوق صدر الخريطة. ويستطيع أن يرفع عقيرته داخل قاعة الدرس مرددا غباءاتنا الخالدة .. زرع .. حصد. لكنه لا يستطيع أن يتجاوز عتبة طفولته، بعد أن حددت السلطات هناك متوسط أعمار المارين فوق شفرات التماس بثلاثة عشر عاما. 
تحت القصف، يحصد المارون نحو الهزيمة رؤوس الأطفال دون غرس، ويمرون فوق جماجمهم الصغيرة حاملين صناديق اقتراع وهمية سقط تسعة ملايين مشرد وثلاثة ونصف مليون لاجئ من جداولها سهوا. وبين أنقاض المدارس المهدمة وما تبقى من أثاث مهشم، يمكن للثكالى أن تبحثن في ظلام الوطن الدامس عن الجماجم الصغيرة التي كانت يوما لهن، لكنهن حتما سيجدن صعوبة بالغة في لم الأشلاء المتجانسة في ملاءة واحدة بعد أن وحد القصف سحنات الراحلين الصغار.
يوم الأربعاء المنصرم، حمل أطفال مدرسة عين جالوت لوحاتهم الطفولية إلى معرض الموت، ووقف كل طفل أمام لوحته ليمارس حقه الطفولي في بعض الغرور وبعض الفرح، وبعد جولة لم تكتمل، أغلق الصغار أعينهم المرهقة لينالوا قسطا من الموت بعد أن استنزفتهم حياة ليست كالحياة على مدار ثلاثة أعوام ونيف. وبعض القصف، تغيرت الألوان في خلفيات لوحاتهم، فغلب عليها الأحمر القاني، وتحولت بقاياهم إلى لوحة مستفزة في معرض حلب الدامي. 
لم يزرع أطفال عين جالوت إلا الرعب، ولم يحصدوا إلا الموت. وبين أسوار مدرسة لطالما دفعهم النزق الطفولي إلى اعتلائها هربا من قسوة المعلمين وأكاذيب التاريخ، توزعت شظاياهم، وتخثرت دماؤهم. ورغم بقاء المدرسة بعد القصف مفتوحة على كافة الجهات، لم يخرج منها أحد، لأن كل الجهات في حلب تؤدي دوما إلى الموت. مرحبا بالموت حين يأتي بغتة ليحصد أرواح من تربصوا به وانتظروه عند كل النواصي وفي كل الأزقة، وماتوا رعبا وهم يتوقعون كافة الاحتمالات السيئة للخروج غير الآمن من معادلة الرعب الأهلية هناك.
فوق جدار لم يسقط، استطاعت لوحة ورقية أن تصمد أمام لوحة اللحم الطري والأنقاض في مدرسة عين جالوت، تصور هيكلا بين الجماجم، وقناصا يصوب نحو جمجمة في حجم كرة الخيط، وفوق الجمجمة المنكوبة عبارة كتبت بالإنجليزية الركيكة تقول "عاشت سوريا حرة." لكن أحدا لم يضمن للراحل الصغير قبل زفراته الأخيرة أن سوريا ستبقى، أو أنها ستبقى حرة. فالمتنافسون على الجانبين يجيدون القصف ولا يحسنون البناء، ويطلبون الحصاد من رؤوس الصغار دون أن يبادروا بزراعة أي أمل في جماجمهم الطرية. 
لم يعد للأطفال في حلب ثمة مكان، فهنالك تقصف المساجد والبيع والصلوات. حتى أسواق الخضار ومدارس الصغار تنال حظها من معادلة الرعب التي يتناوبها المشرفون على التدمير الشامل لمستودعات الأمل في مواسم القصف. وتبقى التفاصيل الصغيرة للمنظمات العاملة في وطن مشلول، فيزيد عدد القتلى هنا، وينقص هناك تبعا لمصادر الخبر وانتماءاتها. وتتبادل الاتهامات كالعادة بين نظام يريد أن يسترد عافيته الشمالية في حلب بالبراميل المتفجرة، وجماعات تدافع عن معاقلها بالسيارات المفخخة وقذائف المورتر. وما بينهما جيل من فاقدي الأمل وفاقدي الهوية ينتظرون الموت. وعلى الحدود المنسية، يتواصل نصب خيام الإيواء، وتتوقف عجلات المؤن القادمة من الأمم المتحدة في انتظار تراخيص سلطات القصف بإفراغ حمولاتها التافهة في بطون سغاب سوريا الذين استطاعوا مراوغة الموت حتى حين. 

Shaer129@me.com

الثلاثاء، 29 أبريل 2014

المقالات الاجتماعية: السفينة الجانحة بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


يوم الأربعاء الماضي، انطلقت عبارة الموت في طريقها المعتاد نحو جزيرة جيجو وعلى متنها 476 كوريا بالإضافة إلى طاقم السفينة. لكن العبارة التي حملت ثلاثة أضعاف وزنها لم تعد من قلب المحيط، ولم ترسل إشارات استغاثة لأن الأمور كانت تحت السيطرة كما تبجح قائد الجنوح الهارب. ولم ينج من ماء المحيط المالح إلا 174 محظوظا حملتهم القوارب المطاطية نحو شواطئ الحياة ليمارسوا ذكرياتهم المرعبة كل يوم آلاف المرات، ويواصلوا دفن من تتلقفه أيادي فرق الإنقاذ من اللحم البشري المملح، وليضعوا زهورا حتما ستذبل فوق قبور لا تشم رائحة الياسمين ولا تتطيب بالسوسن الأسود وإن كثر المشيعون. 
يوما سيعود الفارون من ظلمة الغرف الغارقة إلى صفوفهم، لكنهم سيشعرون بالوحدة حتما كلما نظروا إلى المقاعد الشاغرة في المدرسة المنكوبة. فمن بين 339 طالبا خرجوا من حصار البوابات الحديدية ذات يوم إلى زرقة البحر، لم يعد إلا القليل. ومن طاقم التدريس المرافق لم يتبق إلا المؤرخون الذين سيكتبون يوما قصائد رثاء فيمن غرسوا أظافرهم الطرية في لحم السفينة القاسي ليخرجوا من أكفانهم العائمة قبل أن يخلدوا لليأس المقيم والظلام البارد. 
متهم قائد السفينة ورفاقه بالإهمال الجسيم الذي تسبب في بقاء أطفال في حجم الزهور في أقبيتهم المظلمة حتى النفس الأخير، ومدان هو وطاقمه الفار بالتخلي عن الصرخات اليائسة وركوب أول الزوارق الفارة من عمق الأزمة. وسيواجه المتهمون بالفرار أدلة إدانة دامغة ممن ظلت أنفاسهم على قيد الألم حتى موعد المحاكمة. ولن يغفر حاملوا النعوش الطائرة لتجار الأرواح حصاد أكثر من ثمانين بالمئة ممن خرجوا للتريض في عرض البحر، فلم يعودوا بدفاترهم ولا بضحكاتهم المجلجلة.
كذب من قال أن كوريا ليست كمصر، فتجار الموت على الجانبين يقتاتون على شهقات الأطفال وصرخاتهم اليائسة. وخشب السفن في كوريا قديم ومتآكل كقلوب أصحاب العبارات في بلادنا، وحاملوا جوازات الموت في كوريا مستعدون لإلقاء الجثث المشوهة عند أي باب، فالغرقى يتشابهون في الملامح المشوهة، ولا وقت للمشيعين لانتظار فحص الدي إن إيه. ولأن أصابع الصغار تهشمت جراء محاولاتهم العبثية للخروج من ظلمات البحر، فلن يجد الباحثون عن بصمات مختلفة بدا من توزيع الجثث على ذوي الضحايا ليتقاسموا الألم والحزن. 
لكن أزمة كوريا لم تخل كالعادة من طاقات نور في نفق المعاناة، فقد نجحت الكارثة في إذابة جليد العواطف بين الكوريتين، واضطرت أزمة العبارة العابرة كوريا الشمالية إلى التخفيف من لهجتها القاسية تجاه جارتها في الجنوب، وفي رسالة غير تقليدية، بث رئيس الشمال الكوري جاره اللدود مواساته الحارة فيمن فقد ومن تحلل ومن ذاب في قاع السفينة من أبناء الجنوب. ولأن الكارثة أكبر من الحمق الذي مارسه الجانبان على مدار عقود من الكراهية، كان الفقد أسرع من صواريخ الشمال الموجهة إلى قلب سيول.
وها هو رئيس وزراء كوريا الجنوبية يخرج من صمته كيوم ولدته أمه، ليعترف بالمسئولية الأخلاقية عن أزمة العبارة، ويشهر سيف التحدي في وجوه الرابضين فوق كراسيهم في بلادنا مهما توالت الأزمات. صحيح أن استقالة الرجل لن تعيد إلى أصحاب الوجوه المشوهة ملامحهم القديمة، ولن تعيد إلى أصحاب الأطراف المبتورة بصماتهم المميزة، لكنها تعيد الأمل إلى قلوب السيوليين في غد يمكن تحمله، وحكومة قادرة على تحمل مسئولياتها الملحة. 
سيستمر نزيف الألم في كوريا حتى توارى أجداث الأطفال مراقدها، ولن يهدأ الباحثون في ظلام السفينة عن البقايا المتحللة حتى توضع الأطراف المبتورة مع أجساد أصحابها في ثلاجة واحدة. وسيستمر الملتاعون في توديع أطفالهم وكتابة عبارات الرثاء فوق جدران مدارسهم الخاوية، وستتوالى الحكومات التي تتقدم باستقالاتها عقب الأزمات، لكن شيئا من هذا لن يوقف نزيف الأرواح في لجة اليأس حتى تخرج القوانين عن عجزها لتطارد أصحاب السفن البالية. تحتاج كوريا إلى التخلص من تجار الفساد قبل أن تعلن انتصارها على الموت، وتحتاج مصر إلى رؤساء وزراء من فصيلة تشنج هونج ون كي يتوقف الجنوح وتستوي سفينة الوطن على الجودي.
عبد الرازق أحمد الشاعر
Shaer129@me.com

الخميس، 27 مارس 2014

مقالات اجتماعية: موت بنكهة الربيع بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


لن يستطيع بعد اليوم عاد أن يحصي أهل الجحيم، فقد رحل الرجل الذي شغل رواد كنيسة ويستبورو بابتيست والأمريكيين والعالم بإحصائياته الكاذبة عن أصحاب الشمال. وبإمكان الجنود الأمريكيين اليوم أن يعودوا إلى مساقط رؤوسهم ملفوفين في علم مطرز بالنجوم البيضاء دون أن تستقبلهم اللافتات التي تبشرهم بالجحيم عند صالات الانتظار. كما يستطيع الشواذ أن يمارسوا لهوهم غير المباح في أزقة نيويورك دون حياء، ودون أن يخشوا ملاحقة فريد فيلبس، فقد قرر الرجل أن يرحل فجأة، بعد منتصف ليل الخميس الفائت إلى ما قدم.
لكن أحدا لم يقف على قبر رسول الكراهية رافعا لافتة تبشر بالجحيم كما اعتاد فريد أن يفعل مع الجنود الأمريكيين الذين "أغضبوا الرب وأفسدوا العالم". ولن تقف السيدة سوريفونج عند منصة تأبينه هازئة ممن استقبل جثة ولدها بلافتة "الرب يكره فاجز". لكن المرأة الثكلى لم تخف بريق عينيها أما الكاميرا وهي تقول: "نعم، أنا سعيدة بموته. أعرف أن كلماتي قاسية، لكنها ليست أشد قسوة منه." 
ولم يقف نيت فيلبس الابن على قبر أبيه لتلقي التعازي لأنه ببساطة لم يكن هناك ثمة معزين. فالشاب الذي كفر برسالة أبيه تفصيلا وبكافة الرسالات السماوية جملة يجد اليوم ما يشغله عن راحل لم يترك في رأسه ما يستحق من ذكريات. لكنه يتمنى أن يستبدل الشانئون مشاعرهم بالتسامح حتى لا يقعوا في حمأة الكراهية التي لطالما تردى فيها أبوه، ويقر في الوقت ذاته بأنه يتفهم المشاعر السلبية التي خلفها أبوه في نفوسهم. 
كما يستطيع الأردني الغيور الذي خصص خمسة عشر ألف دينار من ثروته ثمنا لرأس فريد الذي أحرق المصحف بيدين باردتين ليستنشق أتباعه دخان الكراهية في "بيت الرب" أن يحتفظ بالمبلغ كاملا ، فقد نفذ ملك الموت المهمة دون مقابل ودون اتفاق. ويستطيع مسلمو المشرق والمغرب أن يتبادلوا التهاني لموت فريد وقدوم الربيع. فقد رحل الرجل الذي ترك في حلوقهم آلاف الغصات بعد أن أحرق المصحف والعلم الأمريكي داخل كنيسة خرجت على القانون الكنسي وقوانين الأخلاق في الحادي عشر من سبتمبر عام 2010، متحديا مشاعر الأمريكيين والمسلمين في العالم.
لكن فريد الذي أراد أن يفتن المسلمين عن "قرآنهم المزيف"، وصرخ في وجوههم في غير مناسبة:الرب يكرهكم ويكره دينكم،" لم يفتن أحدا عن دينه، ولم يدخل "المنحرفون" في دينه أفواجا، ويقبلوا يمينه طلبا للصفح كما كان أمل وتمنى، ولكنهم ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، وعضوا على رماد قرآنهم بالنواجذ. كما لم تقف الكنيسة القبطية من تصريحاته موقف الساكت عن الحق، بل أنكرت فعلته، وتبرأت من إثمه مؤكدة أن الكاهن فيلبس لا يمثل إلا نفسه. 
رحل قس ويستبورو إذن ليغير إحصائيات أهل الجحيم، لكن أقاربه الذين طردوه من كنيسته الأثيرة إلى عام من الوحدة التي لطالما تحاشاها، لم يقفوا في طابور واحد ليهيلوا فوق جسده المقدد وذكراه المخجلة التراب، ولم يقف المشيعون عند قبره للتباكي، لأن أحدا من المودعين لا يذكر الرجل بخير. كما لم يرقص الممثل الأمريكي جورج تاكي طربا فوق ثراه، ولم يحمل لافتة عند رأسه تقول "الرب يكره فريد،" وإن كان الأمر مغريا للغاية باعتراف تاكي، لكنه اكتفى بما حصده الرجل من مشاعر بغيضة لازمته من المهد إلى كفن غير مطرز بالنجوم البيضاء. 
وإن كان من بين الأحياء ثمة رجل يأسى لرحيل فريد، فهو نيت الإبن، لا لأنه يحمل فيضا من المشاعر الطيبة نحو أبيه، ولكن لأنه كان يتمنى في نفسه لو عادت المياه الآسنة بينهما إلى السريان ليتمكن من إلقاء تحية الوداع على رجل استطاع أن يحافظ على خلافاته معه حتى الرمق الأخير. 
عبد الرازق أحمد الشاعر
Shaer129@me.com

الأربعاء، 19 مارس 2014

مقالات اجتماعية: المنسيون عند الحدود بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


في مخيمات الشتات، وعلى أطراف مدن الممانعة، يستطيع اليوم أطفال سوريا أن يمارسوا لهوهم البرئ في عالم لم يعد كذلك، لكنهم لا يستطيعون تدوين ذكرياتهم الأليمة هناك لأنهم تركوا أوراقهم في مدن القصف تحت مخلفات المدارس، ولم يجدوا من يلتقط أقلامهم التي لم يشتد عودها بعد لأن معلميهم لاذوا قبلهم بالفرار. ولا يستطيع أطفال سوريا عند الحدود أن يرسموا ذكرياتهم الأليمة فوق الجدران، لأن مخيماتهم المنصوبة فوق رمال التاريخ العربي الناعمة لا جدران لها. 
في مجدل عنجر، وعلى طريق كانت تربط خاصرة سوريا بقلب لبنان ذات عروبة، يصارع أنس صاحب الثلاثة عشر خريفا الوحل والبرد والمطر لينال قسطا غير كاف من تعليم غير إلزامي في خيمة تمتد بحجم المحيط فوق حدود المقاومة. وفي خيمة لا تتسع لخريفه الثالث عشر، يزاحم أنس عشرين طفلا على حروف مقطعة كأوصال خريطته الشامية، ليضعها في فراغ عبثي لا يليق بذكائه المتقد.
على حدود النسيان، يفترش أنس خيمة عربية باردة، ليمسك بفرشاة غمست إحدى خصلاتها في دماء ماض كئيب، وتخثرت الأخرى في شرايين مستقبل لا يعلمه أصحاب الحروب المقدسة ولا المرابطون عند حدود الهزيمة. وعلى أضواء الزمن الباهت، ينقش طفل امتلأت ذاكرته المؤقتة بأحداث جلل حروف الضاد من جديد وكأنه لم يغادر سنوات ما قبل المهانة. 
ومع ثلة من الواقفين على أعتاب المجهول، يحتفل أنس بربيع سوري ثالث لم يترك في فصول بلاده إلا الحدود المكتظة بالهاربين. لكن الطفل يقاوم بما تبقى له من وعي كي لا يتمكن الزهايمر العربي من محو تفاصيل كيانه الهش من مدن التاريخ المقفرة. ولأنه لا يملك رفاهية التحدث أمام الكاميرات الموجهة، يحاول أنس أن يمسك بما تبقى في يديه من عشب حتى لا يسقط من فوق الخارطة ويطويه النسيان. 
"إنهم يأتوننا كل يوم مع ذويهم متوسلين ليلتحقوا بمدارسنا النظامية،" تقول عطاف سيف عبد الصمد مديرة إحدى المدارس ببيروت. لكن مدارس لبنان لا تستطيع أن تصلح ما أفسدته سياسات العرب، ولا تستطيع فصولها الضيقة أن تستوعب ما عجزت عن استيعابه كل الخرائط المهشمة من المحيط إلى الخليج. "لقد فقد السوريون كل ضِياعهم هناك،" تقول المرأة، "ولم يتبق أمامهم شيء يراهنون عليه إلا مستقبل أطفالهم."
لا أعرف إن كان في مصير أنس ورفاقه ما يستحق الرهان لا سيما بعد أن تحولت حلبات السباق العربية إلى ميادين رماية، وبعد أن صارت المدارس ثكنات عسكرية. لكن الشمس التي تشرق كل يوم فوق مفاصل التاريخ الباردة تمنحهم دفئا وصلابة رغم ظروف المنافي غير الآدمية. 
أطفال سوريا موزعون اليوم على خرائط لا زالت تردد أناشيد الوحدة في مدارسها المكتظة كل صباح، لكنهم لا يسمح لهم بالوقوف في طوابير الصباح العربية. ففي لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر يقف حوالي نصف مليون طفل سوري (ناهيك عن الأعداد التي لم ترصدها كاميرا اليونيسيف) على حدود أمية مخيفة تزيد حتما من الرهان على بقائنا المستفز في مربع الأمم البائدة. 
لكن الكثيرين من أطفال سوريا لا زالواينظرون من تحت ركام مدنهم المهدمة بعين الغبطة لفتى استطاع أن يهرب بجسده الصغير من حمم لا تفرق بين اللحم الطري وقديد الأسمنت. وفي وقت يهدم الباقون تحت القصف جدران منازلهم من أجل جرعة ماء أو قطعة خبز يابسة، يمتلك أنس رفاهية الجلوس الحر في معطف دافئ فوق سجادة مزركشة، وإن فوق أرض قابلة للانفجار عند أول تصريح. 
كان أنس في الصف الرابع في مدرسة ابتدائية بحمص، لكن جدرانها الملونة سقطت بعد انتهاء حصار خانق فوق الطاولة وبعض الرفاق مما اضطر أنس إلى العودة آسفا إلى حدود حروف الهجاء ليبقى على صلة بضاد لم تحمها الحدود ولا جيوش الممانعة. "كانت مدرستي رائعة، ذات أبواب وطاولات وجدران .. وكان لي أصدقاء،" يقول أنس.
لا يعرف أحد متى تنتهي مأساة أنس ورفاقه، ولا يعرف السائرون فوق دروبنا الربيعية الكاذبة نهاية لمواسم الحزن الطفولية فوق الحدود الشائكة. لكننا جميعا ندرك أن معدلات الأمية والفقر والمرض تزداد في بلادنا بشكل مخيف وتمتد من الحدود إلى الحدود ولا تستثني بلدا عربيا غشيته حمى الثورات، وتنذر القادمين نحو المستقبل بأبجدية عاجزة لا تسمن ولا تغني من تخلف وهمجية. ونعرف أن أنس ورفاقه المحشورين عند حدود النسيان ليسوا مجرد ضريبة لأي غاية نبيلة، ولكنهم قنابل موقوتة ستنفجر حتما في مصير أمة لا تجيد من تكنولوجيا العصر إلا حروف الهجاء.
عبد الرازق أحمد الشاعر
Shaer129@me.com