سجل إعجابك بصفحتنا على الفيس بوك لتصلك جميع مقالاتنا

بحث فى الموضوعات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية ذكريات ما قبل الموت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية ذكريات ما قبل الموت. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 سبتمبر 2014

رواية (ذكريات ما قبل الموت): الحلقة الثالثة 20 ديسمبر 2010 بقلم/ مروان محمد

- أنت فين؟

- أنا جاى من الإسكندرية, قربت أوصل.

- تعالى لنا على هناك بسرعة.

أضحك و أنا أقول معدلا من جلستى على مقعدى فى الميكروباص التويوتا و قد تسرب الألم إلى ظهرى المتصلب لمدة ساعتين:

- فرحانة يا بسمة. 

- طبعا ده حدث تاريخى أساسا, مكناش متخيلين أنه حيحصل بالسرعة دى, دنا قولت أننا حنخلل فى الحوار ده.

- فعلا, كلنا كنا يائسين بس فرج ربنا بقى.

- وصلت لكارتة القاهرة و لا لسه.

- عدينا الكارتة و على المحور دلوقتى. 

- لما تقرب من التحرير أنزل السلم عشان الكوبرى واقف هناك أساسا. 

- ماشى يا سيتى. 

- سلام. 

أنهت الاتصال دون أن تترك لى الفرصة لألقى السلام فهى بالكاد تسمعنى وسط هذا الصخب العالى و هتافات الجماهير و صيحات الفرح و التكبير, أشعر بألم شديد فى ظهرى و أيضا بسعادة طاغية تدغدغ كل جلدى.

*****

20 ديسمبر 2010

" اندلعت مواجهات عنيفة أمس بين قوات الأمن ومئات الشبان الغاضبين الذين حطموا نوافذ المتاجر وأتلفوا السيارات في منطقة سيدى أبوزيد الواقعة على بعد 210 كيلومترات من جنوب غربى العاصمة تونس و تفيد الأنباء الأخيرة أن اليوم يشهد حالة من الهدوء النسبى المشوب بقلق تجدد المواجهات مرة أخرى "

أقف فى المسافة الفاصلة بين باب المطبخ و الصالة متطلعا بقليل من الأهتمام و الكثير من اللامبالاة لملقية نشرة الأخبار و أنا أشرب كوب الشاى, فالتنميل الذى ينتشر فى رأسى تذيب كل رشفة من كوب الشاى بضعا من خلايا التنميل التى تتسلل أيضا إلى باقى أجزاء جسدى.

"وقال شهود عيان أن شرارة المواجهات اندلعت بين مئات الشبان وقوات الأمن بوسط المدينة بعد أن أقدم الشاب محمد البوعزيزى من المدينة على حرق نفسه احتجاجا على ظروفة المعيشية المتردية. وأضافوا أن محمد البوعزيزي حرق نفسه بالبنزين وسط المدينة احتجاجا على قيام السلطات المحلية بمصادرة عربة يد عليها بضاعته من الخضر والغلال التي يكسب عيشه من بيعها"

أتجه إلى حقبيتى ألملم أشيائى فيها و أضع اللاب توب, أرتشف رشفة أخرى من كوب الشاى, اتطلع إلى الساعة ثم إلى المذيعة التى تبث مقطع فيديو مرفوع على النت لبضع شبان تونسين يشتبكون مع قوات الأمن التى ترد عليهم بعنف قنابل مسيلة للدموع و رصاصات مطاطية.

" وقال شاهد رفض كشف أسمه "مواجهات عنيفة انتهت باعتقال العشرات وتكسير واجهات المتاجر وتهشيم سيارات". ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من مصدر حكومي بخصوص الأحداث. وقال مهدي الحرشاني وهو أحد اقارب محمد البوعزيزي الذي يرقد في المستشفى بالعاصمة تونس في حالة حرجة مصابا بحروق بليغة "المواجهات مستمرة بوسط المدينة.. الناس غاضبون على ما جرى لمحمد وعلى تفشي البطالة.. السلطات الجهوية وعدتنا بالتدخل والإفراج عن المعتقلين شرط إنهاء العنف.. نأمل أن تهدأ الأمور لكن ما يجري فرصة لكي تهتم بنا السلطات".

أتطلع إلى الساعة مرة أخرى و من ثم أتناول الريموت كنترول مغلقا التلفاز, أتجه إلى باب الشقة, أغلق الباب, الموبايل يرن, اتطلع إلى شاشة الموبايل ..... بسمة !!

- أيوه يا بسمة خير.

- صباح الخير الأول أو حتى السلامو عليكم. 

- و عليكم. 

- يا ساتر, بقولك أنا عايزة الداتا شو النهاردة فى الحصة الأخيرة عشان عندى بريزنتيشن للعيال, أنا بقولك أهو عشان محدش يحجزوا قبلى. 

- حاضر.

- أنت ركبت الباص و لا لسه. 

- خايفة على. 

- دمك تقيل. 

- مع السلامة. 

- أشوفك فى المدرسة , متنساش, ماشى. 

- ماشى.

كالعادة فى ذلك الصباح المبكر جدا و مع هواء الصباح الذى يرسم سيناريو كامل لمخاض النوم الذى أعيشه كل صباح أتجه فى خطوات سريعة إلى الشارع الرئيسى فى انتظار باص المدرسة, روتين يتكرر بشكل يومى, عقلى الذى لا يكف عن التفكير يحسب بدقة الدقائق المطلوبة لكل مرحلة بدءا من الاستيقاظ حتى الاغتسال و كى الملابس, خطواتى السريعة هذه التى تقودنى إلى الشارع الرئيسى, سلسلة من الحسابات المرهقة التى تقع فى منطقة اللا طائل و لكن عقلى يتحرك من نفسه ليزيد من أرهاقى الصباحى.

*******

- الساعة اتنين و نص, مش مصدقة أن اليوم انتهى. 

أنظر إليها فى صمت مبتسما, يلفتها تحديقى بها و لكنها تنشغل عنى بسحب أوراقها من على مكتبها الصغير و من ثم تقول بحماسها الطفولى الجميل:

- أحنا خارجين النهاردة ما تخرج معانا. 

- رايحين فين. 

- شيليز. 

- أنت عارفة موقفى من المطاعم دى. 

- مقاطعة يعنى. 

- مفيش أحلى من الأكل الوطنى. 

- يا وطنى. 

ضحكة باهتة هى التى ترسم نفسها على المشهد, نتحرك لنغادر الفصل و هى تقول:

- يا أبنى دى فرصة متتعوضش, صدقنى حتقضى لك وقت لذيذ.

- و أكل أكل عمرى ما اتربيت عليه , لأ شكرا. 

- أنت بتتحجج.

- يمكن. 

تبتسم هى الأخرى ابتسامة سرعان ما اختفت , تتحرك بسرعة و اضطر إلى أن أوسع من خطواتى حتى أحاذيها فى المشى 

- يعنى مينفعش تمشى بالراحة أبدا. 

- اتعودت على كده من كتر ما كنت بتمشى مع بابا. 

- الله يرحمه. 

- فال الله و لا فالك لسه عايش. 

اضحك فتنظر لى باستغراب و تقول: 

- يا سلام عجبتك قوى كده. 

- بقالى زمان مضحكتش بصراحة. 

- تعالى كل يوم اضحكك. 

توقفت عن السير فتوقفت تنظر لى بدهشة و هى تتساءل:

- أيه وقفت ليه ؟

- دايما الردود جاهزة عندك كده. 

تبتسم و هى تتحرك فتدعونى للتحرك بسرعة مرة أخرى: 

- ورثتها عن ماما دى. 

- مفيش حاجة ورثتيها منى. 

- أنت كل كلامك هزار. 

- يعنى. 

نصل إلى ساحة الباصات, الصمت يتسلل بشكل لا إرادى و غير مقصود حتى اقتربت حافلتها فنظرت نحوى قائلة بجدية:

- عايزة أبقى أقعد أتكلم معاك بكره, أنت فاضى بكره. 

- عندى أول تلات حصص و حبقى فاضى. 

- كويس أنا حبقى فاضية قبل الأخيرة نتكلم فيها. 

- أيه عايزانى اتجوزك. 

- مش حرد عليك. 

" يا لا يا بسمة حلى الكلام دلوقتى"

ترفع يدها معتذرة لزميلتها المتذمرة التى تقف بالقرب من باب الحافلة, تتجه بسمة إلى الحافلة تصعدها فى خطوات رشيقة و تلتفت نحوى على نحو سينمائى:

- متنساش تيجى لى بكره حسب أنا عارفة أنك بتنسى كتير. 

لوحت لها بكفى مبتسما و مؤمنا برأسى, تحركت حافلتها و على نحو غريب قفزت على شاشة الرؤية صورة الأمن التونسى و هو يصطدم بقوة و غلظة بالشبان المتظاهرين, هكذا ظهر المشهد بدون أى مقدمات و لكنها كانت أشبه بلطمة خفيفة يتلقاها عقلى المرهق أساسا.

الأحد، 14 سبتمبر 2014

رواية (ذكريات ما قبل الموت): الحلقة الثانية 19 ديسمبر 2010 بقلم/ مروان محمد

- أنا خايفة قوى يا حسام.

- متخافيش, أهدى بس و قوليلى إيه الأخبار عندكم.

- بيطلعوا الناس من بيوتها, أنا مرعوبة و ماما قعدة بتعيط و بابا قاعد جنب الباب و ماسك مكنسة المطبخ فى أيده.

- أنت شوفتى حاجة بنفسك.

- لأ.

- يبقى أطمنى.

- بيسرقوا الشقق عندنا فى المهندسين يا حسام, أنا خايفة.

صوتها المرتعد يجعلنى أفقد التركيز, أسمع أزيز الرصاص بين الأشجار و أحيانا انحنى لرصاصات لا أعلم من أين تنطلق و لا إلى أين تذهب؟, أمسك بعصى حديدية بيمينى و الموبايل بيسارى, لا أعلم ماذا عساها أن تفعل تلك العصى سوى أن تبث إلى بعض الطمأنينة الزائفة.

****

19 ديسمبر 2010


“أنا بحلم

أمال ليه مصدق أنه حقيقى

عايز أفوق من الحلم التقيل ده

أنا تـ...."

منبه الموبايل يرن, استيقظ, اعتدل فى فراشى و قدماى تبحث عن الشبشب, أنهض فى تثاقل و شعور شديد بالخمول, اتوجه إلى الحمام, الماء البارد الذى يضرب وجهى يسرب منى بعض الشعور بالكسل و الخمول, نفس الروتين الذى أمارسه كل يوم, اتجه إلى صالة البيت و اشغل التليفزيون, دائما ما تكون القناة الاخبارية هى القناة الوحيدة التى أطالعها كل صباح قبل أن أذهب إلى العمل.

"شهود عيان لرويترز أن مئات من قوات الشرطة وصلت إلى مدينة سيدي بوزيد اليوم لتعزيز الإجراءات الأمنية وذكر «الحزب الديمقراطي التقدمي» الذي يوصف بأنه أبرز حزب معارض في البلاد في بيان أصدره مكتب الحزب في سيدي بوزيد أن ما وصفه «الظلم والقهر الذي تعرض له الشاب سبب حالة من الغليان في الشارع الرئيسي للمدينة»، وطالب السلطات بـ«التحقيق مع المتسببين في هذه المأساة ومن بينهم محافظ سيدي بوزيد"

تنتقل الكاميرا إلى وجه المذيع الذى فرد إبتسامة واسعة على شفتيه و هو يقول:

- و الأن نستكمل الملف التونسى مع الجولة الاقتصادية و الزميل محمد هاشم.

التقط حذائى, أبدأ فى تلميعه و مذيع النشرة الاقتصادية يقول فى آلية:

تعتزم مجموعة "جلوبال وود هولدينج" السويسرية تنفيذ مشروع استثماري في تونس رصدت له إستثمارات بقيمة 900 مليون يورو وقال ألدو بونالدي نائب رئيس مجموعة "غلوبال وود هولدينج"، خلال مؤتمر صحافي عقده بمشاركة فؤاد دعفوس وزير أملاك الدولة التونسي، إن المشروع الذي ستنفذه مجموعته يتعلق بإنتاج الخشب المخصص للتصدير وأوضح أن هذا المشروع سيُنفذ في محافظة "تطاوين" الواقعة على بعد نحو 550 كيلومترا جنوب تونس العاصمة، وهو يشمل غراسة شجرة "الكالتوس"



" و بالانتقال إلى الشأن المصرى أعلن وزير المالية المصري يوسف بطرس غالي عن إصدار أول موازنة للمواطن في مصر وذلك في مبادرة من الحكومة لرفع مشاركة المجتمع في ترتيب أولويات الإنفاق العام سواء على مستوى الدولة في جميع محافظات مصر"



أضحك بصمت, أغلق التليفزيون مغادرا الشقة, الصباح يبدو رتيبا مثل كل الصباحات التى عهدتها من قبل, أقطع الشارع الطويل فى خطوات سريعة حتى الطريق الرئيسى و الباص يقترب بسرعة من ناصية الشارع, أصعد درجتيه, ألقى السلام على الراكبين متخذا مقعدى و أسند رأسى إلى ظهر مقعدى و أسلم جسدى كله الى غفلة أحاول أن أسرق فيها بضعة دقائق .


******

- شكلك نايم على الصبح.

التفت خلفى لأجد بسمة قد غادرت للتو الباص , انتظرها حتى تحاذينى فى المشى, متجهين مع مجموعة من المدرسين إلى المبنى الإدارى للمدرسة.

- أنت عاملة إيه؟

- مالك على الصبح.

- أصلى لسه سامع أن بطرس غالى ناوى يدندشنا و ينعشنا.

- و الله ما حد خارب الاقتصاد غيره.

أضحك بلا رغبة حقيقية فى الضحك, أقف أمام صندوق البريد الخاص بى و التقط الكارت لأمرره فى جهاز تسجيل الدخول و باقى المدرسين يتناولون كروتهم ليفعلوا المثل, نغادر سويا غرفة تسجيل الدخول باتجاه فصولنا و هى تقول:

- عندك إيه النهاردة؟

- عندى grade 11.

- الله يعينك, أنا مش عارفة أنتوا بتعملوا إيه مع العيال دى.

- أهى بتعدى.

- السى ديهات النهاردة متنساش.

- ماشى.

تنفصل عنى و هى ترتقى سلم على يميننا فى رشاقة, ابتسم و أنا أراقبها تختفى ثم أطلق نفخة قوية و أواصل المسير.

******

- أحنا رايحين النهاردة أنا و بسنت و رامى و فريد و سوسن سيتى ستار, ما تيجى معانا.

- و الله مينفعش يا بسمة, عندى شغل كتير أعمله فى البيت عشان الحفلة بتاعت بكره.

- هى كلها ساعتين.

- مهو ساعتين هناك و ساعة عقبال ما نبتدى نتحرك و نص ساعة عقبال ما أوصل للبيت, يبقى اليوم مات و أنا ورايا شغل متلتل.

يتسلل الصمت بيننا و هى تومىء برأسها و قدمها اليمنى تدحرج حجر صغير من على الرصيف, ثم رفعت رأسها كأنها تذكرت سؤال آخر لتسألنى:

- أنت مسافر الإسكندرية الأسبوع ده.

- أيوه.

- تعرف أنا نفسى أعيش فى الإسكندرية جنب البحر.

- لو اتجوزتينى فيه أمل أنك تعيشى هناك.

نضحك و لا تجيب, لم أكن انتظر أجابتها, لأن الإجابة بنعم فى تلك المواقف حتى لو كانت من باب الهذل فأنها تعنى الشروع فى ارتباط رسمى, مما يعنى تحمل مسئولية لست مستعداً لها الأن و لا أجدد مبرر لعدم رغبتى فى تحمل المسئولية, لا أستطيع أن أدعى أنى أقرأ فى عينيها رسالة تمنى أو حث على أن أقولها بشكل جادى, كأنها تقرأ فى عينى أنا الآخر, الهروب من تلك الإجابة.

الباص الخاص بها يتوقف على مقربة منا, تصعد درجتيه و من ثم تلتفت إلى قائلة فى حماس طفولى:

- لو غيرت رأيك أحنا قاعدين فى سيتى ستار لحد سابعة و نص.

- ماشى.

- سلام.

- سلام.

يتحرك الباص و اتابعها للحظات حتى يلفت انتباهى اقتراب الباص الخاص بى, أصعد الدرجتين و ألقى السلام على الجميع, يبادرنى عمر أبيض البشرة و جسده الممشوق و شعره البنى الغامق الذى يلمع دائما و هو يقول:

- مش قبضوا على شبكة تجسس, الخبر جابته الجزيرة.

- تجسس إيه المرة دى؟

- مصريين بيتجسسوا لصالح الموساد و الحكومة مأكدتش الخبر و لا نفته حتى و المفاجأة بقى يا معلم أن أغلبهم كان شغال فى شركة من شركات الاتصال بس مذكروش أنهو شركة و نيابة أمن الدولة بتحقق معاهم و تبين بقى أنهم كانوا بيتجسسوا على مكالمات دولية لمسئولين كبار فى البلد و جابوا أجهزة من أمريكا عشان يعرفوا يتجسسوا.

- و الله بيسرحوا بينا.

- بيسرحوا إيه يا عم, الإسرائيلين ولاد الكلب مش ساكتين, هما اللى خاربين البلد هنا.

- أنت لسه بتصدق الكلام ده يا عمر.

تدخل عم أحمد السائق قائلا:

- أمال إيه يا أستاذ حسام, هما اللى حطوا لنا المواد المسرطنة فى الخضار عشان يجى لنا سرطان و كده.

- يعنى حطوها بنفسيهم يا عم أحمد مهو فيه حمير كبار هما اللى بيشتروا الحاجات دى.

لوح عم أحمد بيده اليمنى و رأسه أيضا تنفى بقوة و يقول بحسم العارف بالأمور:

- يا أستاذ حسام ده شغل صهاينة و أمريكان عشان مش عايزين البلد دى تقف على رجليها.

- و الله ما حد خاريبها ألا اللى ماسكينها بس أحنا بنغمى عنينا.

تدخل عمر قائلا:

- أنت دايما كده بتجادل.

رفعت له يديا مستسلما قائلا بابتسامة:

- لا يا عم و أجادل على إيه, هما الإسرائيلين ولاد الكلب اللى حيورثوا جمال الحكم كمان.

ضحك الجميع و عم أحمد يضغط على الكلاكس منبها أحدى السيارات التى حاولت أن تتجاوزه, و يتمتم بغضب:

- سواق حمار.

جلست على مقعدى ليتسلل النوم سريعا لعينى و عمر ينشغل بالحديث إلى أحدى المدرسات حول خطورة شبكة التجسس الإسرائيلية التى أحبط مساعيها جهاز أمن الدولة و كيف أن هذا الجهاز يعرف كل شىء و من أخطر الأجهزة الأمنية ليس فى مصر فقط و لكن على مستوى العالم, كانت كلماته تخفت تدريجيا كلما اندمجت فى نومى أكثر فاكثر, حتى أختفى صوته تماما و حل محله صمت و وش ضعيف سرعان ما انقضى لأنام بعمق مستمتعا بتلك الشاشة السوداء و ذلك الهدوء المطبق.

السبت، 13 سبتمبر 2014

رواية (ذكريات ما قبل الموت): الحلقة الأولى 18 ديسمبر 2010 بقلم/ مروان محمد

" الدم بينزف منى دافى و حاسس بتخدير قوى بيتسلل فى صمت و سرعة لكل جسمى, ابتديت أحس كمان بالهدوء الشديد من حوليا, رغم الدوشة العالية جدا, كأننا فى حرب, شايف أقدام بتجرى من حوليا و سامع من بعيد قوى صريخ .... حد بيرفعنى و بعدين نمت .... شكلى مت... شكلى أرتحت "

18 ديسمبر 2010

الموبايل يرن, استيقظ بعد الرنة الرابعة,الساعة السادسة و نصف صباحا, أعتدل فى فراشى ببطء و كسل شديدين, أطأ بقدمى الأرض الباردة, ابحث بعينين مغلقتين عن الشبشب, تتعلق به أصابع قدمى , أنهض فى تباطؤ متجها إلى الحمام.

“ليه دماغى بتشتغل حتى و أنا نايم, أفكار كتيرة داخلة و أكتر منها بتطلع, حالة من الهرجلة المرورية الغريبة, عشوائية غريبة قوى بتعيشها دماغى, يمكن نتيجة للوحدة المفرطة"

أغسل وجهى بالماء و الصابون, ليتبدد النعاس رغم تشنج جميع عضلات جسدى التى لم تستيقظ بعد, اتطلع إلى ملامحى المرهقة فى مرآة الحمام, اتوجه إلى صالة البيت, أبحث عن الريموت بعينى محاولا الاستعانة بذاكرتى المشوشة عن مكان الريموت, تحت الكنبة, بجوار اللاب توب, بالقرب من سخان المياه الكهربائى.

حسنا, أنه فوق التليفزيون, أتناوله, لأفتح التليفزيون, متابعا بشىء من عدم التركيز النشرة الإخبارية, المذيعة بوجه بلاستيكى تسرد مجموعة من الأخبار العالمية و العربية, اتحرك من مكانى للغسيل المنشور و اتناول قميص جاف متجها إلى المكواة.

" و فى تونس, محاولة انتحار أقدم عليها بائع متجول احتجاجا على مصادرة الشرطة لعربته التي يستخدمها لبيع الخضر والفواكه في مدينة سيدي بوزيد التونسية"

لماذا تطاردنى الأخبار الكئيبة دائما؟,

" وقام البائع المتجول الذى يدعى محمد بوعزيزي وهو شاب يعمل بائعا متجولا بإحراق نفسه احتجاجا, مما أسفر عن أصابته بحروق يعالج منها في المستشفى قرب العاصمة تونس,"

أفرد ياقة القميص لأمرر المكواة فوقها و أتأملها لثوان ثم أعيد كيها مرة أخرى

"و قال سالم بوعزيزي شقيق المصاب أثر زيارته له في مستشفى الأصابات والحروق البليغة في منطقة بن عروس في الضاحية الجنوبية للعاصمة تونس "إن أخاه لا يزال على قيد الحياة"

انتهى من كى القميص, ارتديه على عجل بعد الرنة المبتورة لسائق باص المدرسة, أتجه إلى غرفة النوم بسرعة مرتديا بنطالى و حذائى, ألملم اللاب توب و ملحقاته فى الحقيبة المخصصة له.

"لكن وضعه الصحي لا يزال حرجا وهو يرقد في العناية المركزة", مضيفاً أن "جسمه تفاعل ايجابيا مع عملية نقل الدم ما اعتبره الاطباء ......"

أغلق التليفزيون, ملتقطا مفاتيح الشقة, أغادر مسرعا و بيد عجولة أغلق باب الشقة, أكاد أثب على درجات السلم حتى أصل إلى مدخل العمارة, استنشق هواء يوم باكر, هواء لايزال نقيا سيتلوث بعد بضعة دقائق بعوادم سيارات القاهرة.

أسرع الخطى فى الشارع المؤدى إلى الشارع الرئيسى حيث ينتظرنى باص المدرسة, أعرج على المحل لاشترى علبة نسكافية ثلاثة فى واحد جديدة بعد أن أجهزت على علبة الأسبوع الماضى, ثم أسرع الخطى إلى الشارع الرئيسى حيث يقف عم أحمد فى انتظارى يدخن سيجارته, يبتسم و هو يرانى أهرول و يشير لى أن أسير بهدوء, أتباطىء مبتسما له فى امتنان بعد أن توقفت عنده قائلا:

- أزيك يا عم أحمد, معلش أتاخرت عليك النهاردة.

- و لا يهمك يا أستاذ حسام.

- أنا حركب بقى.

يبتسم مرة أخرى و هو يكمل سيجارته بدون اكتراث لقولى, أغادر مسرعا إلى باص المدرسة, يتبعنى بعد ثوان, يتحرك الباص و انا أسلم رأسى إلى ظهر مقعدى لأغط فى نوم سريع قبل أن نصل إلى المدرسة.

*****

أشعر بألام تنتشر فى كل أنحاء جسدى, اليوم بدا طويلا جدا و مثقل بالأعمال و ربما لهذا السبب مر أسرع مما أتصور , غادرت مبنى الإدارة متجها إلى حافة رصيف المبنى فى انتظار باص المدرسة و الباصات تتحرك من الساحة الخلفية للمدرسة متجهة إلى بوابة المدرسة و قد تجمع عدد من المدرسين فى الجهة الأمامية منتظرين مثلى الباصات, اقتربت منى بسمة, التى استقبلتنى بوجه واجم و يحمل الكثير من الأرهاق.

- أزيك يا بسمة. 

- أزيك يا حسام. 

- مالك يا بنتى؟

- مفيش.

- لا بجد و الله, أنت مش فى المود و لا إيه. 

تطلعت إلى وجهى كأنها تبحث عن شىء غريب فى ملامحى ثم أدارت بصرها باتجاه الباصات المتراصة على مرمى البصر فى الساحة الخلفية للمدرسة و الطلاب يتجهون كأسراب نمل فوضوى باتجاه الباصات و هى تقول ببطء و صوت خفيض:

- يعنى, مضايقة شوية.

- طيب ما تقوليلى .

نظرت لى مرة أخرى لثانية ثم قالت:

- خبر كده جه فى التليفزيون إمبارح جاب لى اكتئاب من أمبارح لحد النهاردة الصبح و خاصة بعد ما اتعاد فى نشرات الصبح.

- إيه الخبر ده؟, خير.

- واحد تونسى غلبان حرق نفسه امبارح بعد البوليس هناك ما صادر عربيته و بهدله. 

- أيوه ... أيوه, شوفته فى التليفزيون النهاردة الصبح.

ركزت بصرها على وجهى و قد بدا عليها شىء من الحماس و الكثير من الاهتمام و هى تسألنى:

- و إيه رأيك؟

- اللى عمله ده حرام طبعا, هو فيه مسلم ينتحر برضه, مات كافر طبعا. 

بدى أن إجابتى أحبطتها كثيرا و لم تكن تتوقعها و انقلبت ملامحها إلى شىء من الضيق و هى ترد بأسلوب هجومى:

- ده بس اللى لفت نظرك فى اللى عمله. 

- إيه اللى ممكن يلفت نظرى غير كده, هو أى حد يا بسمة يتعرض لموقف صعب يطلع يجرى يولع فى نفسه, مش منطق يعنى.

كأن كلماتى تزيد من غضبها و استعدادها الهجومى فملامحها لم تعد وحدها المتحفزة و لكن أيضا كل عضلات جسدها و انتصاب قامتها المفاجىء و هى ترد:

- لا, كان لازم يلفت نظرك مثلا أنه ممكن يكون عائل الأسرة الوحيد و أن العربية بتاعت الخضار اللى اخدوها منه و رفضوا يرجعوها ليه هى مصدر رزقه الوحيد و لأنه إنسان بسيط عايش حياة ضنك أنت عمرك ما عشتها و لو كنت عشتها و مريت باللى مر بيه كنت أكيد عملت زيه .

ضحكت و أنا أتابع كلماتها السريعة العصبية و لما انتهت بادرت قائلا:

- مالك بتدافعى عنه قوى كده زى ما يكون أخوك و أنا مش واخد بالى. 

وضعت يدها على جبهتها و هى توارى عينيها و تبتسم ابتسامة باهتة, تعبر عن شعورها بالسخافة و الخجل و قالت: 

- معلش أصلى مضغوطة شوية و أنت بصراحة نرفزتنى, مكنتش متوقعة منك الرد ده. 

- مهو انتحر يا بسمة إيه المفروض يكون ردى أقول و الله عنده حق المفروض كل واحد مضايق من حياته أو حد خنق عليه يطلع يجرى يولع فى نفسه و يرتاح. 

رفعت يدها اليمنى لتنهى النقاش و تبتسم إبتسامة تعنى أنه لا فائدة من الحوار و قد توقف الباص أمامها فصعدت درجتى باب الباص المفتوح و هى تقول بصوت ضاع مع محركه الذى أزداد علوا و هو يتحرك:

- أشوفك بكره. 

- أن شاء الله .

لماذا شعرت بالإحباط؟!, لأنى أهتم لأمرها كثيرا و لكنى مترددا بين التصريح و الإبقاء على الأمر سرا, لست من المؤمنين بالحب العذرى و لكنه الخوف من المسئولية و الألتزام, لأن التعبير عن مثل هذه المشاعر ليس المشكلة و لكن النتائج المترتبة على هذا التصريح هى أصل المشكلة, هى ألتزام, هى مسئولية, هى تضيق إلى الحد الأقصى لكل أشكال الحرية التى يعتز بها الشاب كثيرا.

تحرك الباص و من ثم تبعه الباص الخاص بى, ارتقيت درجتى السلم مهموما أفكر فى كلامها و فى ذلك التونسى الشقى السبب فى توتر الأجواء بيننا, و لماذا توليه هذا القدر من الاهتمام؟, هل هى المشاعر الرقيقة و المرهفة للنساء عموما أم هو هم إنسانى؟, بمجرد أن أسندت ظهرى إلى مقعدى تسلل النوم بسرعة محببة إلى عينى و بدأت استشعر الانسداد التدريجى فى أذنى حتى غابت كل الأصوات و حل محلها ظلام ثقيل, هى فترة قصيرة التى مرت حتى أتانى صوت المشرفة و هى توقظنى :

- أصحى يا أستاذ حسام, عشان تنزل.

نهضت كالعادة و أنا أشعر بثقل فى جفنى و بتشنج بسيط فى عضلات جسمى و بالأخص فخذيا, تناولت حقيبتى و غادرت الباص ملقيا السلام على من فيه, تحرك الباص من خلفى و من بعد التكييف اللذيذ استقبلت حرارة الجو التى بدت فى القاهرة متطابقة إلى حد كبير مع الجو الخليجى شديد الحرارة.

قطعت طريق الذاكر حسين متجها إلى كشك السجائر لابتاع علبة سجائر أل أم بيضاء و زجاجة شويبس شعير, سلكت الطريق المؤدى إلى بيتى بخطى بطيئة و أنا أشعر بخمول شديد و رغبة عارمة فى النوم سرعان ما ستتبدد عندما أدخل من باب الشقة, التقط الموبايل بعد الرنة الثانية و أنظر إلى شاشته.

- أيوه با بسمة, عاملة إيه؟ 

- إيه أخبارك؟

- ناوية تعتذرى. 

ضحكت و هى ترد على بلهجة حادة و ضاحكة:

- اعتذر إيه ؟

- أمال.

- أنا كنت عايزة أسالك هو فيه سى ديهات فى المدرسة عشان عايزة أنزل صور العيال من على الموبايل بتاعت الرحلة على السى دى. 

- آه فيه. 

- طيب أنا كنت بتصل عشان كده.

- و أنا قبلت اعتذارك. 

- على فكرة أنت بايخ. 

تعالى صوت ضحكى فى حين اضافت بكلمات سريعة:

- أنت أصلك مستفز فى الكلام. 

- يا سيتى حقك على.

فترة صمت قصيرة, أعرفها جيدا, فترة رسائل غير مسموعة تتأرجح على خيط رفيع بينى و بينها, قطعت الصمت بقولها :

- أنت وصلت البيت.

- قربت .

- حتتغدى إيه ؟ 

- حطلب دليفيرى. 

- يا سيدى. 

- سيدى أيه و بتاع أيه ده حتى أكل الدليفرى ده يسم البدن أساسا. 

- بكره تتجوز و تلاقى اللى تطبخ لك. 

- شدى حيلك. 

- أنا أتجوزك أنت, ليه خلاص؟!

أضحك مرة أخرى و أنا أقول:

- عامة أكلك وحش و شكلى حطلب دليفرى. 

- و الله بتحلم, متنساش السى دى بكره.

- ماشى.

- سلام. 

- سلام. 

أعيد الموبايل إلى جيبى و سعادة لذيذة تتسلل إلى عروقى فتنعشها من بعد خمول, أقف أمام باب الشقة, أدير المفتاح , أدخل مستقبلا حر الشقة, أتجه إلى المروحة الأرضية و أشغلها, أخلع ملابسى مسربا معه كل الحر المكبوت تحت ملابسى و أتناول ملابس خفيفة, فساعة العصرية هى ذروة الحر رغم أننا فى ديسمبر و لكن يبدو أن جو القاهرة يأبى أن يعترف بذلك.

أشغل التليفزيون متابعا أياه ثم أتجه إلى المائدة لأضع اللاب تول و أجلس على المقعد متابعا مذيعا بلاستيكيا يستعرض الأخبار الرياضية " و أما فى تونس فاليوم استعاد الترجي حامل اللقب نغمة الفوز بتغلبه على ضيفه مستقبل المرسى المتعثر بهدفين مقابل هدف واحد في افتتاح منافسات الجولة الثانية عشر للدوري التونسي الممتاز لكرة القدم اليوم السبت.

"وافتتح المهاجم الصاعد محمد علي بن حمودة التسجيل للترجي من تسديدة من عند حافة منطقة الجزاء في الدقيقة 57 و صنع الهدف الثاني للاعب الوسط الكاميروني روجيه تواندوبا قبل دقيقتين من نهاية اللقاء, وقلص مستقبل المرسى الفارق عبر مهاجمه أيمن اللطيفي من ركلة جزاء في الدقيقة الرابعة من الوقت المحتسب بدل الضائع للشوط الثاني....."

اختتم المذيع جولته الرياضية بابتسامة عريضة و شكرته مذيعة النشرة الأخبارية و توجهت إلى الكاميرا بوجهها البلاستيكى قائلة: "و أيضا فى الشأن التونسى اليوم خرج اليوم مئات من الأهالي الغاضبين إلى الشوارع للاحتجاج على تعرض أحد بائعي الخضر والغلال من خريجي الجامعات للضرب على يد أحد عناصر شرطة البلدية الأمر الذي دفع البائع إلى إحراق نفسه أمام مقر المحافظة وقال شهود عيان لوكالة الأنباء الألمانية إن محمد بوعزيزي سكب على جسده البنزين وأضرم في نفسه النار أمام مقر المحافظة احتجاجا على منعه من مقابله المحافظ لتقديم شكوى ضد شرطي بلدي قام بضربه بعد أن منعه الشاب من مصادرة الخضر والغلال التي كان يبيعها بدون ترخيص.

ونقل الشاب الذي أصيب بحروق بليغة إلى مستشفى سيدي بوزيد ومنه إلى مستشفى مدينة صفاقس وأظهرت مقاطع فيديو نشرت على شبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك» مئات من الأهالي الغاضبين يتظاهرون أمام مقر ولاية سيدي بوزيد مرددين النشيد الوطني التونسي فيما ذكر شهود عيان أن باعة خضر وغلال متجولين رشقوا مقر الولاية بالغلال والخضر التي كانت بحوزتهم إثر إقدام زميلهم على حرق نفسه."

استحوذ الخبر على اهتمامى الكامل و أنا أشاهد مقطع الفيديو الذى يعرض لمئات من التونسين و هم يتظاهرون أمام مبنى حكومى, الكاميرا مهزوزة فى يد من يصور و الصورة تبدو باهتة الرؤية, يستبدل الفيديو بصورة المذيعة و هى تقول: و لقد وردت أنباء عن وقوع اشتباكات بين قوات الشرطة و المتظاهرين اليوم و لم تردنا أنباء عن سقوط ضحايا أو جرحى و نعرض الأن مقطع من فيديو موجود على شبكات التواصل الاجتماعى للشاب بو عزيزى و هو يحرق نفسه و نحيط السادة المشاهدين علما بأن مقطع الفيديو يحتوى على مشاهد قد تكون مؤثرة"

انتفضت انتفاضة خفيفة و أنا أشاهد مقطع الفيديو لذلك الشاب التونسى و هو يجرى بجنون و ألسنة النيران تلتهم جسده فى وحشية شديدة و تكاد تلك الألسنة تخفى جسده كله, عادت الصورة لتبث المذيعة مرة أخرى و هى ترفع حاجبيها ثم تقول فى جمودها البلاستيكى: "و على صعيد آخر كست كميات كثيفة من الثلوج المتساقطة على عين دراهم شمالي العاصمة تونس الطرقات وأسطح المنازل وأغصان الأشجار بغطاء من البياض الناصع لتتحول المدينة الى لوحة جميلة تعجز ريشة أمهر الرسامين على محاكاتها وتساقطت طيلة الأسبوع كميات كثيفة من الثلوج على عدة مدن بشمال البلاد مثل الكاف وباجة وجندوبة وساقية سيدي يوسف وطويرف وبلغ سمك الجليد في بعض المناطق 40 سنتيمترا وطوق المدينة بياض ناصع بينما كانت أغصان الأشجار تتمايل مثقلة بالثلوج"

رن الموبايل, نظرت إليه و أطلت النظر حتى التقطه و أجبت بصوت متحشرج:

- أيوه يا بسمة 

- شوفت أخبار تونس, الناس مولعة هناك فى مدينة اسمها سيدى أبوزيد اللى فيها الشاب اللى حرق نفسه و اشتبكوا مع الشرطة.

- آه. 

- شكلها حتولع. 

- معتقدش .

- ليه يا فقرى ؟

- يعنى حتيجى أكتر من اللى حصل عندنا فى شبه حرب ما بين الشرطة و أهالى المحلة الكبرى و لا ناسية و انتهت على إيه فى النهاية ؟

- بجد أنت بتحبطنى دايما. 

أحاول بشتى الطرق أن أصرف عن عقلى صورة ذلك الشاب و هو يحترق و قد أصابنى بألم فى معدتى, فقلت لها ممازحا فى محاولة للخروج من هذه الحالة :

- بقولك إيه ما تيجى نروح تونس.

- إيه ناويت تشارك معاهم.

- لا, بيقولوا التلج مغرق العاصمة هناك و شكلها حلو قوى, إيه رأيك ؟

- و الله أنت فايق و رايق, سلام.

- سلام.

وضعت الهاتف على المائدة ببطء و تناولت ريموت الكنترول و اغلقت التلفزيون, انهض من مكانى فى تثاقل و ألم معدتى يزداد متجها إلى الفراش لأغط فى نوم هادىء, بعيدا عن ألسنة النار الوحشية التى ألتهمت جسد هذا البائس

******