سجل إعجابك بصفحتنا على الفيس بوك لتصلك جميع مقالاتنا

بحث فى الموضوعات

الأحد، 8 مارس 2015

المقالات الاجتماعية: رسالة من تحت الجليد بقلم/ عبد الرازق أحمد الشاعر


في بلاد لا تتحدث العربية، تنمو الوجوه المشربة بحمرة الخجل لتحدث طفرة في معدلات البؤس هناك. وفوق بياض التوابيت الثلجية في مدن يكسوها الضباب من كل أفق لا يمتلك أطفال المخيمات سيقانهم اليابسة ليلهوا بطابات الجليد كما فعل أباؤهم وأجدادهم ذات تاريخ.

فوق حدود لم تعد تكترث للقادمين من مدن الملح والبارود، يرسم الأطفال شهقاتهم الأولى فرحا بالانعتاق من مشيمة الأحقاد المتوارثة، لكن شقوق الخوف لا تلبث تتسع كل يوم آلاف الخنادق فوق وجوههم الغضة. فبين موت يقيني وموت محتمل، تتشابه القسمات الباردة والأمطار والثلوج. ويتحول الفارون من الأجداث سراعا إلى مشاريع تشرد فوق يابسة تزداد ضيقا بالأحلام والعصافير والأكف الصغيرة، وشيئا فشيئا، تتشابه براميل اللهب وزخات الثلج فوق الجماجم اليائسة.

لم تعد دول الجوار ودول المروءة قادرة على احتمال المزيد من الأقدام الوافدة عند الشاطئ. ولم يعد بوسع مراكب الصيد أو التهريب حمل المزيد من العظام النخرة فوق أخشابها المتهالكة. "وعلى الدول المانحة في مؤتمر مارس أن تفعل شيئا لإيقاف هذا النزيف البشري فوق الخرائط،" يقول مفوض الأمم المتحدة لشئون اللاجئين أنطونيو غوتيرس. فقد بلغ سيل الفوضى في بلاد العرب الزبى، ولم يعد بوسع الأمم المتحدة مواجهة أكبر كارثة إنسانية عرفها العالم على مر القرون.

"وعلى دول أوروبا أن تصلح ما أفسد العرب، فتفتح حدودها أو ترسل بعثاتها الاستكشافية لانتشال من هلك في مياه داحس قبل أن تسبقها أسماك القرش إلى ولائم بشار،" يقول أنطونيو. الغريب أن الرجل الذي لم يبلغ سن اليأس من العرب بعد، قام على استحياء بدعوة دول الخليج إلى تخفيف العبء عن دول الشواطئ القريبة بعد أن امتدح ألمانيا والسويد على جهودهما المشكورة في إغاثة الملهوفين تحت الخيام الباردة.

اثنا عشر مليون مشرد وأربعة ملايين لاجئ، حصيلة غير دقيقة لما خلفته الحروب الفاجرة في تضاريس سوريا. وتحت خيام التشرد، يجلس مليونا طفل في انتظار مستقبل لا يجيء، بلا وقود للتدفئة، وبلا مدارس، وبلا أمنيات. جيل احترق في أتون السياسة، وغرق في وحل الخلاف المذهبي، فلم يدخله أمراء الحرب جنة الدنيا، ولم ييسروا له سبل دخولها في الآخرة. جيل سقط من التاريخ، ليتحول إلى قنابل آدمية مجمدة جاهزة للانفجار عند أول اختيار.

لكن البرد والصقيع، وأعشاش الجليد، لم تحرم مئة ألف صوص سوري من نقر بيوض الغربة وإطلاق الصرخات الغضة في الفضاء اللامبالي. وكأنهم يتحدون الفصول والمواسم وبراميل الخوف التي تتساقط فوق الرؤوس هناك. ومن حدود الغربة، تعلن الجماجم الصغيرة تمردها على زخات المطر والشقوق التي تتوزع فوق قماش الخيام كأغربة سوداء في حشايا الوطن.

مضت أربعة أعوام عجاف على الربيع السوري الموعود، وكل يوم يضيف إلى الجرح السوري المزيد من الدمامل والقروح والتقيحات والخيام الممزقة والجماجم المهشمة وبراميل البارود. وعلى ضفاف سوريا، يوزع الفارون من الموت إلى الموت بقايا أنفاسهم في انتظار ما لا يجيء. وحولهم تقف الأسلاك الصدئة باردة كعادتها في انتظار أختام وتأشيرات الجوار. وحدها تركيا، تحملت من الأقدام العابرة للحدود ما لا تطيق لتصبح أكبر مأوى للاجئين على مستوى الفجيعة.

ويبقى الطفل عند الحدود، تحت خيمة لا تستر عريا، ولا تقي من غائلة برد لا يحتمل، وصقيع لا يطاق، شاخصا ببصره نحو الآفاق البعيدة، منتظرا أي هدهد يحمل في منقاره أي رسالة من أي سبأ، ليعود إلى لحمه وعظمه روحا كما شاء الله له أن يكون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق