الإسكندرية 2013
غادر المبنى و هو يمسك ريموت السيارة, يضغط على زر به لتتوهج مصابيح السيارة مع صوت قصير يصدر عنها, يهم بأن يركب و لكنه يتوقف و هو يشاهدها تهبط درجات مدخل العمارة المقابل للمبنى الذى يعمل به برفقة رجل بدى أنه فى منتصف العقد الخامس من العمر.
السؤال الذى ضرب عقله, لماذا لفتت أنتباهه؟, هو يعلم أن الأمر لا يقترب بأى حال من الأحوال من أجواء السينما المصرية السخيفة و لكن ....
يكاد يكون على يقين أن هذا المشهد تكرر من قبل.
هى ملفتة بالتأكيد, على الرغم من ملامحها البسيطة العادية جداً و لكن بدت ملفتة, ربما للبسمة المرسومة بعناية على ركن شفتها اليمنى.
ربما لرموشها الطويلة.
هناك تفاصيل كثيرة تحيط بها, خاصة هذه العباءة التى ترتديها و تنتشر فيها ألوان كثيرة مبهجة.
ربما لأن أطراف حجابها الطويل يرفرف فى الهواء بسبب نسمة هواء عابرة.
ربما لأن الرجل الذى يسير بجوارها حتى سيارتهما يضحك فيدفعها للضحك الصامت.
ابتسم على الرغم منه, لفت انتباهها تحديق هذا الشخص بها, الابتسامة تجمدت على شفتيها و هى تتطلع إليه مستغربة, ثم تنقلب نظرات عينيها إلى الحيرة, الرجل المرافق لها يتخذ مكانه خلف عجلة القيادة و يميل لليمين ليفتح لها الباب.
يسيطر عليها شعور كلى بأن ما يحدث قد حدث, لا تستطيع أن تستبق الأحداث و لكن كل ما يحدث يبدو مألوفاً لديها إلى حد كبير, تستمتع بهذا الشعور الذى يتسلل إليها بين الحين و الآخر فى مواقف مماثلة و تستغربه فى نفس الوقت.
لماذا ترى ملامح هذا الشاب الذى يحدق فيها مألوفة للغاية؟, كم من مرة شاهدت رجل أو إمرأة للمرة الأولى فى حياتها و تكاد تجزم أنها تعرف هذا الوجه جيداً, كأنها تعرف هذا الشخص منذ سنوات عديدة و لكن كيف؟ر
يخرجها من حالة الشرود الخاطفة هذه صوت الرجل, فتميل بنصفها العلوى لتتخذ مكانها هى الأخرى و الشاب لازال واقفاً يحدق بها.
السيارة تتحرك و الشاب يتابعها بنظره, هى أيضاً تتابعه من خلال مرآة السيارة الداخلية و الجالس بجوارها يسألها:
- إيه اللى لافت نظرك قوى كده.
- مش عارفة يا بابا فيه مشهد كده تحس أنك مريت بيه قبل كده متعرفش أزاى.
- بتحصل معايا كتير.
- طيب أزاى.
هز كتفه و لم يعقب و انشغل بالطريق فى حين أرخت هى ظهرها على ظهر مقعد السيارة تتفكر فى هذا المشهد حتى انشغلت بالطريق.
هز الشاب رأسه مبتسماً و من ثم فتح باب السيارة ليأخذ مكانه, كل حركاته بطيئة و عقله لازال مشغولاً بهذه الفتاة.
لابد أنه شاهدها من قبل و لكن لا يعلم أين و متى؟, وجهها مألوفاً للغاية.
الإسكندرية 1948
- سلام يا جماعة.
- مش حتطلع معانا على القهوة يا توفيق.
- مش النهاردة.
عدل من وضع طربوشه و من ثم غادر بوابة الحديقة, ليقف على الرصيف و حنطور يقترب منه فى بطء يتوقف أمامه و سائق الحنطور يسأله:
- توصيلة يا أفندى.
- محرم بيك.
يهم بأن يركب و لكنه يتوقف و هو يشاهد فتاة فى العشرينيات من عمرها تهبط درجات السلم الرخامى فى مرح و من خلفها الخادم النوبى يسرع بحقيبة سفر كبيرة.
السائق يتقدم من الباب و يفتحه للفتاة التى ترتدى فستان أزرق سماوى فضفاض.
- حتركب يا أفندى.
- أيوه حركب.
يقولها توفيق بدون أن ينظر إلى سائق الحنطور و لكن يتجاوز الحصان ليكون متاحاً له أن يرى المشهد كاملاً.
كانت ترتدى قبعة وردية و أول ما لفت نظر توفيق هو أحمر الشفايف, على الرغم من أنه أحمر صارخ و لكنه بدى منسجماً مع وجهها الضاحك.
الخادم النوبى يضع الحقيبة فى صندوق السيارة الخلفى, الفتاة بعد أن همت بالركوب فى المقعد الخلفى توقفت للحظة تتأمل الشاب الذى يحدق بها و تستغرب أنها تألف هذا الوجه و تعرفه جيداً.
لم تستنكر تحديقه بها و لكنها تستغرب ملامحه المألوفة لها جداً, و كأنها تعرف هذا الشاب منذ فترة طويلة, ارتفع حاجبيها فى استغراب ثم انخفضا فى رقة.
ابتسم الشاب فأجبرها ذلك على الابتسام, لولا أن كحكح السائق فانتبهت لتركب فى المقعد الخلفى شاردة التفكير و هى تنظر من النافذة المجاروة إلى الشاب الواقف.
- متعطلنيش يا أفندى حتركب و لا لأ.
توفيق يشير بيده اليسرى لسائق الحنطور أن يصبر.
تحركت السيارة التى تقل الفتاة و هى تنظر من النافذة الخلفية إلى الشاب الواقف أمام حصان الحنطور يلقى عليها النظرة الأخيرة ثم يتجه ليصعد الدرج الخشبى للحنطور و يتخذ مكانه على الأريكة الحمراء الخلفية.
صدره يعلو و يهبط بقوة و هو يستعيد المشهد كاملاً, حتى علو صدره و هبوطه القوى هذا يبدو مكرراً له, ليس لأنه دأب على فعل هذه الحركة و لكن لأنه يشعر أنه فعلها من قبل فى موقف مماثل لهذا و يداخله شعور بالحيرة لأن المشهد يبدو له أنه حدث بكل تفاصيله من قبل , يعايش لحظاته و يشعر أن كل لحظة مرت فيه يعرفها من قبل جيداً.
الإسكندرية 1100
دفع الباب الخشبى للبيت الطينى ليتلقفه الطريق الترابى, ينظر إلى البيت الطينى المقابل, يتجه إلى حصانه يعلق على السراج أحماله, أمه تقف على باب البيت تبكى فى صمت.
بعد أن يثبت إشياءه يلتفت إلى البيت الذى يقابله و قد فتح بابه الخشبى المتهالك و خرج منه رجل فى منتصف العقد الخامس من عمره و فى رفقته فتاة ابتلع الحجاب الثقيل الطويل معظم وجهها, عينيها دامعتين.
الرجل يتطلع إلى الشاب و يقول له بلهجة حازمة و لكنها مختنقة بالرغبة الملحة فى البكاء:
- جاهز يا حمزة.
حمزة يومىء برأسه فى صمت و هو يتطلع إلى الفتاة و يركز عينيه فى عينيها فوجدها تودعه فى صمت, خطت أم حمزة خارج البيت لمنتصف الطريق لتقترب منها الفتاة و تقف إلى جوارها.
أعتلي الرجلين الحصان بعد أن ثبت والد الفتاة أشياءه على سراج الحصان من الجهة الأخرى, شد الشاب اللجام ليتحرك الحصان و الرجل المسن يميل على الشاب قائلا:
- لو رجعنا بالسلامة, أوعدك أنى أجوزهالك.
- تفتكر حنرجع.
- أحنا حدادين يا حمزة مش فرسان, يعنى آمنين إن شاء الله.
- أحنا كان مالنا و مال الصليبين.
- ده الأقصى و جهاد فى سبيل الله يا حمزة, ميصحش تقول كده.
لم يعلق حمزة, رأسه مشغولاً بالفتاة, لم يكن يعنيه أمر الحرب بقدر ما كانت هى التى تعنيه, الحصان يواصل الهبوط على الطريق الترابى.
البيتين الأشبه بقبتين صغيرتين يكادا يتواريان خلف قمة التل و كذلك الورشة الخشبية, كان آخر ما رآه حمزة و هو يدير رأسه مرة أخيرة للخلف, هز رأسه فى غير اقتناع و من ثم نظر للأمام و هو يوجه حصانه نحو السوق.
صدره يعلو و يهبط بقوة و قد أفلت نفخة قوية و الرجل من خلفه يشد على كتفه الأيمن ليخفف عنه و لكن بدون فائدة فظل وجه حمزة متجهماً.
هل سيعودان حقاً؟
هل سيعود هو على الاٌقل؟
21/11/2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق